الأحد، 26 مارس 2023

الطعن في عائشة طعن في آل البيت وهدم للدين

 

الطعن في عائشة طعن في آل البيت وهدم للدين

 

لا يَخْفَى على أحد ما تتعرَّض له أمُّ المؤمنين، وزوجُ النبي الكريم، السَّيِّدة عائشة بنت أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنهما - من سِبَاب وشتائم وطعْن على يد قومٍ لا يَفْقهون ولا يعقلون، ولا يُدْرِكون ماذا يعني اتِّهامهم وسَبُّهم لتلك الحصَان الرَّزَان؟!

 

لا أريد أن أَسُوق أدلَّة كثيرة من النُّصوص الشَّرعية الدالَّة على مكانة ومَنْزلة أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - لأنِّي أرى أننا لو تجاهلنا كلَّ الأحاديث الواردةِ في رِفعة مكانتها ومَنْزلتها، ولو تجاهَلْنا مكانتها عند علماء المسلمين وعند آل بيت النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولو تجاهلنا دورَهَا الكبير في نشْرِ سُنَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإنها تكتسب مكانتها ومَنْزلتها العالية الرَّفيعة بمجرَّد ارتباطها وزواجها بالنبِيِّ الكريم محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهذا وحْدَه كفيلٌ بأن يُخرِس الألسِنَة، ويقطع كلَّ لسان يحاول أن ينال شيئًا من مكانتها ومَنْزلتها، شأنها في هذا شأن عددِ كثير من الصحابة لا ينبغي أن ندافع عنهم بالبحث عن فضائلهم في سُنَّة النبي الكريم؛ فإنَّ صحبتَهم له ودفاعهم عن دِينه ورضاه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بذلك، دليل قويٌّ على حسن إسلامهم، وعلى علوِّ مَنْزلتهم ومكانتهم، مثل أبي بكر، وعُمَر، وعثمان، وعلي، وطلْحَة، والزُّبير، وغيرِهم.

 

قرأتُ الكثير مما كُتِب عن السيِّدة عائشة - رضي الله عنها - بعد تَطاوُلِ ذلك الشِّيعي الكويتي الخبيث عليها، ووجَدْتُ أنَّ معظم مَن كتب أخذ يتحدَّث عن فضْلِها، وحقيقةً لا يستهويني أن أكتب في فضْلِها مستشهِدًا بنصوص صحيحة من سُنَّة نبيِّنا؛ لكونها مرفوضة من الطَّرَف الآخر.

 

من وجْهة نظري أنَّ الهجوم على السيِّدة عائشة - رضي الله عنها - هو جزءٌ ممَّا كان يَرمي إليه ابنُ السَّوداء عبدالله بن سَبَأ، ذلك الرَّجُل الذي سعَى منذ خِلافة أمير المؤمنين ذي النُّورين عثمان بن عفَّان - رضي الله عنه وأرضاه - إلى هَدْم أسُس وأركان هذا الدِّين وتبديلها، وذلك من خلال إعلان الإسلام، ثم المغالاة في حبِّ آل البيت لدرجة الكفر بالله والخروج من المِلَّة، تمامًا كما فعل جَدُّه "بولس" أوَّل محرِّف للنَّصرانية، فقد كان محاربًا لأتْباع المسيح - عليه السَّلام - ولما لم يجد نتيجة لتلك المطاردة فَكَّر في حيلة دنيئة للقضاء على المسيحيَّة الحقيقية، فادَّعى النُّبوة، وغالى في المسيح ابن مريم - عليه السَّلام - فأخرج لنا مسيحيَّة جديدة لا تَمُتُّ بصلة لدِين المسيح عيسى ابن مريم - عليه السَّلام.

 

وكما أنَّ بولس هو أوَّل من نادى بأُلوهية المسيح، ثم ترَك أتباعَه يكملون التَّحريف والتبديل في المسيحيَّة، فإنَّ ابن سبأ نادى بأحقِّية أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه وأرضاه - في الخلافة بدلاً من أبي بكر وعمر وعثمان، وقد ادَّعى ألوهيَّةَ علي - رضي الله عنه - وإن أتباعه قد عَمِلوا على التَّحريف والتبديل، حتى قالوا بتحريف القرآن، وزادوا فيه ما ليس منه، ومِن ضِمْن هذا التَّحريف والتبديل في دين الله اتِّهامُ السيِّدة عائشة - رضي الله عنها - بما بَرَّأها الله - تعالى - منه من فوق سبع سماوات، والنَّيلُ من شرَفِها، وذلك كلُّه طعن في الدِّين، وفي النبي الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

لا يمكن أن يكون الدَّافعُ إلى سَبِّ وطعْن أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - هو حُبَّ آل البيت؛ لأنَّ الطعن في عائشة - رضي الله عنها - طعْن في الوَحْي، وطعْنٌ في شرَف الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وطعْن في عليٍّ وفاطمة، والحسَنِ والحسين - رضي الله عنهم جميعًا.

 

فالطَّعن في عائشة - رضي الله عنها - يعني أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يكن نبيًّا؛ لأنَّه لو كان نبيًّا لأخبره ربُّه - عزَّ وجلَّ - بما تفعله زوجته ليطلِّقها، ويتبرَّأ منها على أقلِّ تقدير، أوْ يَعْني أنَّ الله - سبحانه وتعالى - أخبر نبيَّه، لكن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - آثر الإبقاء على عائشة رغم عِلْمه بما تفعله، وهذا نوعٌ من الدَّياثة الملعونِ صاحِبُها.

وهذا كفر بَواحٌ، يا من تدَّعون أنكم تحبُّون آل البيت.

ثم ألَم يكن عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - موجودًا، يَحْيَا بين المسلمين، ويَسْكن بجوار الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم؟! فلماذا إذًا لم يطلب من الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يطلِّق عائشة؟! لماذا رَضِي بالدَّنِية في دِينه إن كان اتِّهامُكم لها صحيحًا؟! أهو الجُبْن أصاب عليًّا أم النِّفاق؟! عليٌّ ذلك البطل الذي حمل باب أحَدَ حصون خيبر، وجعله درْعًا يُدافع به عن نفسه، يخشى أحدًا! ويخشى أن ينطق بكلمة حقٍّ!

 

ثم لما آلَ إليه الحُكم، وصارت عائشة بين يديه بعد موقعة الجَمَل، لماذا لم يقتلها عقابًا لها على جُرْمها إنْ كانت أجرَمَت؟! أم أنَّه جَبُنَ أنْ يُحكِّم شرع الله وهو خليفة المسلمين؟! كلُّ هذه أسئلة نريد ردًّا عليها ممن يتهَجَّم على زوج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

وأين فاطمة الزَّهراء - رضي الله عنها؟! أليسَتْ بنتَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم؟! ألم تكن تدخل بيته ليلاً ونهارًا؟! لماذا لم تَطْلب من أبيها أن يطلِّق عائشة وهو الذي كان لا يرفض لها طلبًا طالما كان خيرًا؟! أجَبُنَت فاطمةُ - رضي الله عنها؟! أخَدَعت أباها وأخْفَت عنه حقيقة زوجته؟! هذا - واللهِ - من الخَبَل الذي لا يَقْبله عقل.

 

لو - وتفيد الامتناع للامتناع - كان اتِّهام خُبَثاء الشيعة لأمِّ المؤمنين - رضي الله عنهاصحيحًا، لكان أيضًا حبُّهم لآل بيت النبيِّ غيرَ صحيح؛ لأنَّهم في هذه الحالة جُبَناء لا يستحقُّون الطَّاعة، ولا الموالاة، مَن يَجْبُن أن يقيم حدَّ الله على مُذْنِبة، ومَن تَخْدَع أباها، ولا تُخْبِره بحقيقة زوجته، لا يستحقَّان الحُبَّ ولا الموالاة.

 

فمَن رَضِي آلَ البيت - رضي الله عنهم - وتابَعَهم على الحقِّ ووالاهم، لا يمكنه أبدًا إلاَّ أن يرضى بأُمِّ المؤمنين عائشة سيِّدةً من نساء المؤمنين، وزوجًا للنبيِّ الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأُمًّا للمؤمنين بنصِّ كتاب الله - عزَّ وجلَّ.

 

إنَّ الطَّعْن في أمِّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - هو جزء من مُخطَّط للقضاء على هذا الدِّين وهدْمِ أسُسِه وأركانه، ومَن يطعن اليومَ في عائشة - رضي الله عنها - قد يأتي غدًا لِيَطعن في القرآن، ويَزِيد فيه آياتٍ تهاجم أمَّ المؤمنين عائشة، وتتَّهمها بالزِّنا، والعياذ بالله.

 

وهكذا تستمِرُّ مُخطَّطات الطَّعن والتحريف والتبديل؛ من أجْل القضاء على الإسلام، وخَلْق دين جديد، لا يمت للإسلام بصلة، تمامًا كما فعَلُوا في النَّصرانية، لكن هيهاتَ هيهات! فرَبُّ العباد قد قضى عنده أنَّ الإسلام هو الدِّين الحقُّ، وأنَّ القرآن لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وقد أخبرَنا ربُّنا في كتابه ببراءة وطُهْر أُمِّنا عائشة - رضي الله عنها وأرضاها - فلْيَمُت الخُبَثاء بِغَيظهم، ولْتَبقَ عائشةُ حَصَانًا رَزَانًا مهما حاول هؤلاء النَّيلَ منها.



رابط الموضوعhttps://www.alukah.net/sharia/0/25705/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B9%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D8%B4%D8%A9-%D8%B7%D8%B9%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A2%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%AA-%D9%88%D9%87%D8%AF%D9%85-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86/#ixzz7x5nIrZnS

من هم آل البيت؟

 

من هم آل البيت؟


 

قال الله تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾[1].

لا خلاف بأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴾ نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت لأنهن سبب نزول الآية.

وهل الآية قاصرة على نسائه صلى الله عليه وسلم أم هي عامة، يدخل فيها معهن غيرهن؟


ذهب عكرمة إلى أنها خاصة في نسائه صلى الله عليه وسلم وسبقه إلى ذلك ابن عباس رضي الله عنه.

والقول الأصح - وهو ما ذهب إليه عامة العلماء - أنها يدخل فيها غير نساء النبي صلى الله عليه وسلم بدلالة الأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك نذكر منها:

أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾[2].

وأخرج مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: ولما نزلت هذه الآية: ﴿ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي"[3].

وبناء على هذين الحديثين وغيرهما كثير[4] فإن عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا رضي الله عنهم داخلون في الآية بنص قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وهناك أحاديث أخرى توسع دائرة مفهوم (آل البيت) وردت بشأن الصدقة.

ففي حديث البخاري عن أبي هريرة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخرج تمرة من تمر الصدقة من فم الحسن أو الحسين وقال: "أما علمت أن آل محمد صلى الله عليه وسلم لا يأكلون الصدقة"[5].

وبناء على هذا الحديث فكل من منع من أكل الصدقة من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم يدخلون تحت هذا المصطلح.


وهذا ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم. ففي حديث غدير خم الذي يرويه مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبًا، بماء يدعى خمًا، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: "أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي".


فقال حصين بن سبرة لزيد وهو يسمع منه هذا الحديث: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم[6].

ومما هو معلوم أن الذين حرموا الصدقة عوضوا عنها الخمس، وهم بنو هاشم وبنو المطلب.

فعن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد"[7].


وفي حديث مسلم عن عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث قال: اجتمع ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، والعباس بن عبدالمطلب، فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين - قالا: لي وللفضل بن العباس - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه، فأمَّرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناس، وأصابا مما يصيب الناس، قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك. فقال علي بن أبي طالب: لا تفعلا. فوالله ما هو بفاعل. فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك.

قال علي: أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع علي.


قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: "أخرجا ما تصرران" ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذٍ عند زينب بنت جحش.

قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لتؤمِّرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون.

قال: فسكت طويلًا، حتى أردنا أن نكلمه. قال: وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. قال: ثم قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس. ادعوَا لي محمية - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن عبدالمطلب" قال: فجاءاه، فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام ابنتك" للفضل بن عباس، فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك" لي. فأنكحني، وقال لمحمية: "أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا"[8].


نخلص من هذا إلى أن مصطلح (آل البيت) يدخل فيه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم.

وأن مصطلح (آل محمد) يدخل فيه من لا تحل لهم الصدقة وهم بنو هاشم وبنو المطلب وهم ذوو القربى الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ﴾[9] قال ابن كثير في تفسيره: وقول جمهور العلماء: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب.


وصيته صلى الله عليه وسلم بآل البيت:

وردت عنه صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يذكِّر فيها أمته ويوصيها بآل بيته خيرًا، منها ما سبق ذكره قبل قليل من حديث مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي".

ومنها ما سبق ذكره عند الحديث عن أولاده صلى الله عليه وسلم.

 

ومنها ما أخرجه أحمد عن زيد بن ثابت مرفوعًا:

"إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي وأنهما لا يتفرقا حتى يردوا على الحوض"[10].

وفي البخاري عن ابن عمر عن أبي بكر قال: ارقبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته[11] وقال أبو بكر أيضًا: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي[12].

وما قول أبي بكر إلا التأكيد لما فهمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، والبيان العملي لما ينبغي أن يكون عليه سلوك المؤمن من حب آل البيت رضي الله عنهم.



[1] سورة الأحزاب، الآيتان (32، 33).

[2] أخرجه مسلم برقم (2424)، والمرحل: الموشى المنقوش عليه صور رحال الإبل.

[3] أخرجه مسلم برقم (2404)، والآية من سورة آل عمران، رقم (61).

[4] وهناك أحاديث كثيرة في هذا الصدد، انظرها في تفسير ابن كثير عند الآية المذكورة.

[5] أخرجه البخاري برقم (1485).

[6] أخرجه مسلم برقم (2408).

[7] أخرجه البخاري برقم (3140).

[8] أخرجه مسلم برقم (1072).

[9] سورة الأنفال، الآية (41).

[10] الفتح الرباني (22 /104) وقال البنا: إسناده جيد.

[11] أخرجه البخاري برقم (3713).

[12] متفق عليه (خ 4240، م 1759).



رابط الموضوع: https://www.alukah.net/spotlight/0/112703/%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%85-%D8%A2%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%AA%D8%9F/#ixzz7x5mZ5PdV

حمّل مجّانًا مؤلفات إبراهيم الدميجي، من هنا.

 

حمّل مجّانًا مؤلفات إبراهيم الدميجي

 غفر الله له ولوالديه وللقارئ وللمسلمين.

 

http://aldumaiji.blogspot.com/2020/04/blog-post.html

الثلاثاء، 13 أغسطس 2019

فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

فاطمة بنت رسول الله صلى  الله عليه وسلم
مقدمة
هي فاطمة الزهراء بنت رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشية سيدة نساء الأمة، وأحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمها خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية سيدة سيدات بيت النبوة، لقبت بالزهراء، وكانت تكنى أم الحسن وأم الحسين، وكان يطلق عليها أم أبيها، وزوجها هو علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، وابناها هما الحسن والحسين سيدا فتيان الجنة. (1)
ولدت فاطمة رضي الله عنها سنة إحدى وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكح رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة علي بن أبي طالب بعد وقعة أحد، وقيل إنه تزوجها بعد أن ابتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزويجه إياها بتسعة أشهر ونصف، وكان سنها يوم تزويجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفا، وكانت سن عليّ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر. (2)
ومن هنا فلا صحة لما جاء من أن مولدها كان قبل البعثة بخمس سنين، وإن تعددت الروايات في ذلك؛ لأن كل الروايات تشير إلى أن زواجها كان في المدينة بعد غزوة أحد، ليس هذا فقط بل لقد حددت أغلب الروايات سنها يوم تزويجها وأنها كانت في الخامسة عشرة من عمرها، ومن هذه العملية الحسابية نستنتج أنها لم تولد قبل البعثة بل ولدت بعد البعثة بعام واحد، وكان عمر الرسول صلى الله عليه وسلم واحدا وأربعين سنة.
فرغم الاختلاف في تحديد سنها يوم تزويجها - وهو بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة - إلا أني لم أعثر على رواية تقول إن عمرها يوم تزويجها كان واحدا وعشرين عاما، وهو المفترض أن يكون لها إذا كانت قد ولدت قبل البعثة بخمس سنين على حسب الرواية المغلوطة.
وكانت فاطمة رضي الله عنها أصغر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانت زينب الأولى ثم الثانية رقية ثم الثالثة أم كلثوم ثم الرابعة فاطمة الزهراء، وانقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا منها؛ فإن الذكور من أولاده ماتوا صغارا، وأما البنات: فإن رقية رضي الله عنها ولدت عبد الله بن عثمان فتوفي صغيرا، وأما أم كلثوم فلم تلد، وأما زينب رضي الله عنها فولدت عليا ومات صبيا وولدت أمامة بنت أبي العاص فتزوجها علي ثم بعده المغيرة بن نوفل، وقال الزبير: انقرض عقب زينب. (3)
زواجها من علي رضي الله عنه
وفي قصة زواجها يقول علي بن أبي طالب: خطبت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لي مولاة لي: هل علمت أن فاطمة خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك، فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك.
فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم جلالة وهيبة، فلما قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما أستطيع أن أتكلم، فقال: ما جاء بك، ألك حاجة؟ فسكت فقال: لعلك جئت تخطب فاطمة؟ قلت: نعم، قال: وهل عندك من شيء تستحلها به؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، فقال: ما فعلت بالدرع التي سلحتهكا، فقلت: عندي والذي نفس عليّ بيده، إنها لحطمية ما ثمنها أربعمائة درهم، قال: قد زوجتك، فابعث بها، فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. (4)
واختلف في مهره إياها، فروي أنه أمهرها درعه، وأنه لم يكن له في ذلك الوقت صفراء ولا بيضاء، وقيل: إن عليا تزوج فاطمة رضي الله عنها على أربعمائة وثمانين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ثلثها في الطيب، وزعم أصحابنا أن الدرع قدمها علي من أجل الدخول بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه في ذلك. (5)
وفي تأسيس بيت الزوجية لبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عكرمة: لما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاطمة كان فيما جهزت به: سرير مشروط، ووسادة من أدم حشوها ليف، وتور من أدم، وقربى، قال: وجاؤوا ببطحاء فطرحوها في البيت. (6)
وبعد الزواج قال علي لأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم: اكفي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخدمة خارجا وسقاية الماء الحاج وتكفيك العمل في البيت العجن والخبز والطحن، قال أبو عمر: فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، ولم يتزوج علي عليها غيرها حتى ماتت. (7)
مواقف من حياتها مع الرسول صلى الله عليه وسلم
كانت فاطمة رضي الله عنها من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكان؛ إذ كانت من أحب الناس إليه، كيف لا وهي بنت من رزقه الله حبها وهي خديجة رضي الله عنها وكانت أشبه الناس بها، فلما ماتت كانت تقوم مقام أمها في تخفيف الآلام والأحزان عنه صلى الله عليه وسلم، وتساعده في شؤون حياته ومعيشته، حتى وبعد زواجه وزواجها رضي الله عنها.
وفي ذلك يروي سهل بن سعد فيقول: جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه صلى الله عليه وسلم فكانت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم تغسل الدم وعلي رضي الله عنه يسكب الماء عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة رضي الله عنها أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقته حتى إذا صار رمادا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم. (8)
وكانت رضي الله عنها تستعين به وتستشيره صلى الله عليه وسلم في قضاء حوائجها، لعلمها بأنه سيخفف عنها ويدلها على الخير، وفي ذلك يروى زوجها علي رضي الله عنه فيقول: شكت فاطمة رضي الله عنها ما تلقى في يدها من الرحى، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته، قال علي: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت أقوم فقال: مكانك، فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، ثم قال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما فكبرا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم. (9)
وفي رواية أخرى يقول أبو هريرة رضي الله عنه: أتت فاطمة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فقال لها: الذي جئت تطلبين أحب إليك أم خير منه؟ قال: فحسبت أنها سألت عليا، قال: قولي:
اللهم رب السماوات ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر. (10) فكان له نعم المعلم والمربي صلى الله عليه وسلم.
ولقد كان من أهم مواقفها مع أبيها صلى الله عليه وسلم ما يرويه المسور بن مخرمة من أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له:
إن قومك يتحدثون إنك لا تغضب لبناتك، وهذا عليّ ناكحا ابنة أبي جهل، قال المسور: فقام النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد ثم قال: أما بعد، فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بنت محمد مضغة مني، وإنما أكره أن يفتنوها، وإنها والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا، قال: فترك عليّ الخطبة. (11)
وفي رواية أخرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم؛ فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها. (12)
وفي أيامه الأخيرة صلى الله عليه وسلم كان لها هذا الموقف الفريد الذي ترويه لنا زوجه عائشة رضي الله عنها فتقول:
كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما رآها رحّب بها فقال: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارّها فبكت بكاء شديدا، فلما رأى جزعها سارّها الثانية فضحكت.
فقلت لها: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟! فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره، قالت: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أما الآن فنعم:
أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وأنه عارضه الآن مرتين، وأني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة، أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت: فضحكْتُ ضحكي الذي رأيت. (13)
وفي مشهده الأخير صلى الله عليه وسلم وهو عل فراش الموت كان لها هذا الموقف المؤثر، يقول أنس: لما تغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرب كان رأسه في حجر فاطمة فقالت فاطمة: واكرباه يا أبتاه، فرفع رأسه صلى الله عليه وسلم وقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة،.
فلما توفي قالت فاطمة: وأبتاه، أجاب ربا دعاه، وأبتاه، من ربه ما أدناه، وأبتاه، إلى جنة الفردوس مأواه، و أبتاه، إلى جبريل أنعاه، قال أنس: فلما دفناه مررت بمنزل فاطمة فقالت: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟؟ (14)
من مواقفها مع الصحابة:
مع أبي بكر:
وذلك حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءته تطلب إرثها، فعن أبي الطفيل قال جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: يا خليفة رسول الله، أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله؟ قال: بل أهله، قالت: فما بال سهم رسول الله؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أطعم الله نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم بعده، فرأيت أن أرده على المسلمين، فقالت: أنت ورسول الله أعلم. (15)
أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في تربيتها:
لقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم المعلم والمربي تأثيرا كبيرا في شخص ابنته فاطمة رضي الله عنها، فمن يوم أن جاء جبريل عليه السلام بقوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) وقام صلى الله عليه وسلم وقال: يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، - وخص فاطمة ابنته ببعض الشيء فقال: - ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا، (16)، وفاطمة تعلم أنه لن ينفعها ولن ينجيها من عذاب الله إلا عملها.
يروي ثوبان رضي الله عنه فيقول: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة رضي الله تعالى عنها وأنا معه، وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذه أهداها إليّ أبو حسن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة، أيسرك أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد وفي يدك سلسلة من نار؟ ثم خرج ولم يقعد، فعمدت فاطمة إلى السلسلة فاشترت غلاما فأعتقته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار. (17)
من ملامح شخصيتها
ميز شخص بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير من الصفات والملامح، كيف لا وقد شهدت السيدة عائشة رضي الله عنها في أكثر من مناسبة بأنها شبيهة أبيها صلى الله عليه وسلم، الذي وصفه ربه فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم) فكانت:
الأصدق لهجة:
ويروى في ذلك عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذُكرت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها. (18)
والأشد حياءً:
فإذا كان مربيها ومن أشبهته صلى الله عليه وسلم أشد حياءًا من العذراء في خدرها، فكيف نتوقع أن تكون هي رضي الله عنها؟؟ فلقد بلغ من شدة حيائها رضي الله عنها أنها كانت تخشى أن يصفها الثوب بعد وفاتها، وأنها استقبحت ذلك كثيرا حتى جعلت لها أسماء بنت عميس نعشا، وهو أول ما كان النعش آنذاك، ثم الأكثر من ذلك أنها رضي الله عنها أمرت أسماء أن تغسلها هي وزوجها فقط وأن لا تُدخل عليها أحدا، فكانت رضي الله عنها أول من غطي نعشها من النساء في الإسلام.
فعن أم جعفر أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء، إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء، إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله، ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت عليها ثوبا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تعرف به المرأة من الرجال، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعليّ ولا تدخلي علي أحدا. (19)
هذا إذا كان الحال بعد الوفاة.. فماذا كان إذن حال الحياة؟؟.. فياليت نساء اليوم يسمعن ويرين.. ليتهن يعشن وفاة فاطمة إن عز عيش حياتها.. ليتهن لم يتخذن اسمها ويتركن فعلها..
وترضى بأقل القليل.. وهي من هي:
فهي رضي الله عنها وإن كانت تعلم أنها ابنت سيد المرسلين وخاتم النبيين وسيد ولد آدم، إلا أنها لم تطمع في الحياة، ولم تطمح نفسها إلى الخيال بالعيش الراغد والحياة الهنيئة، بل إنها قد ضُرب بها المثل في زواجها اليسير المهر القليل المؤنة، فقد كان مهرها درع، وأساس متاعها ماهو إلا سرير مشروط، ووسادة من أدم حشوها ليف، وتور من أدم، وقربى، يقول علي رضي الله عنه: "لقد تزوجت فاطمة ومالي ولها فراش غير جلد كبش، كنا ننام عليه بالليل ونعلف عليه الناضح بالنهار، ومالي خادم غيرها". (20)
وبعد زواجها رضي الله عنها عاشت حياة بسيطة متواضعة، فهي تطحن وتعجن خبزها بيديها مع إدارة كافة شؤون بيتها الأخرى، إضافة إلى واجبات زوجها عليها كما تعلمتها في بيت أبيها صلى الله عليه وسلم، ثم هي وبعد أن أثر الرحى في يديها تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعينها بخادم، فيكون رده عليها صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلك على ما هو خير من خادم؟ تسبحين ثلاثا وثلاثين وتحمدين ثلاثا وثلاثين وتكبرين أربعا وثلاثين حين تأخذين مضجعك". (21)
فضائلها:
لا يستغرب إذن على مثل هذه الشخصية العظيمة أن يورد في فضلها الكثير من الأحاديث والروايات التي تبرز مكانتها رضي الله عنها في هذه الأمة، وكان من هذا ما يلي:
1) أحب أهل رسول الله إليه:
فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كنت في المسجد فأتاني العباس وعليّ فقالا لي: يا أسامة، استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته فقلت له: إن العباس وعليّ يستأذنان، قال: هل تدري ما حاجتهما؟ قلت: لا والله ما أدري، قال: لكني أدري ائذن لهما، فدخلا عليه فقالا: يا رسول الله، جئناك نسألك: أي أهلك أحب إليك؟
قال: أحب أهلي إلي فاطمة بنت محمد، فقالا: يا رسول الله، ليس نسألك عن فاطمة، قال: فأسامة بن زيد الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه. (22)
2) شجنة من رسول الله:
عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما فاطمة شجنة مني، يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها. (23)
3) من خير نساء العالمين:
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وآسية امرأة فرعون. (24)
وفي رواية أخرى عن أنس أيضا: حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون. (25)
4) وسيدة نساء أهل الجنة:
عن حذيفة قال: سألتني أمي: منذ متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا، قال: فنالت منى وسبتني، قال: فقلت لها: دعيني فإني آتى النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه ثم ذهب، فاتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، قال: مالك؟ فحدثته بالأمر فقال: غفر الله لك ولأمك ثم قال:
أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت: بلى، قال: فهو ملَك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة، فاستأذن ربه أن يسلم عليّ ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنهم. (26)
وفي رواية أخرى:
عن بن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض خطوطا أربعة قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. (27)
5) تختص بمن ينادي يوم القيامة.. غضوا أبصاركم عنها:
فعن علي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم: إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع، غضوا أبصاركم لتمر فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمر وعليها ريطتان خضروان، قال أبو مسلم: قال لي أبو قلابة وكان معنا عبد الحميد أنه قال: حمراوان. (المستدرك، ج3، ص175، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحذفه الذهبي من التلخيص لضعفه.
من الأحاديث التي روتها:
وكان مما روته رضي الله عنها عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك. (28)
موقف الوفاة
يقول ابن عباس رضي الله عنهما: قد مرضت فاطمة مرضا شديدا فقالت لأسماء بنت عميس: ألا ترين إلى ما بلغت؟ أحمل على السرير ظاهرا؟ فقالت أسماء: ألا لعمري، ولكن أصنع لك نعشا كما رأيت يصنع بأرض الحبشة، قالت: فأرنيه، قال: فأرسلت أسماء إلى جرائد رطبة فقطعت من الأسواف، وجعلت على السرير نعشا، وهو أول ما كان النعش، فتبسمت فاطمة وما رأيتها متبسمة بعد أبيها إلا يومئذ، ثم حملناها ودفناها ليلا. (29)
وفي رواية أوضح بعض الشيء عن أم جعفر رضي الله عنها أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء، إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء؛ إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله، ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تعرف به المرأة من الرجال، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعليّ ولا تدخلي علي أحدا.
تقول: فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت إلى أبي بكر فقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء، ما حملك على أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني ألا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها، قال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك ثم انصرف، فغسلها عليّ وأسماء.
قال أبو عمر: فاطمة رضي الله عنها أول من غطي نعشها من النساء في الإسلام على الصفة المذكورة في هذا الخبر، ثم بعدها زينب بنت جحش رضي الله عنها، صنع ذلك بها أيضا. (30)
وفاتها:
ماتت فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أول أهله لحوقا به، وصلى عليها زوجها علي بن أبي طالب بعد أن غسلها هو وأسماء بنت عميس، وكانت أشارت عليه أن يدفنها ليلا، وقد قيل إنه صلى عليها العباس بن عبد المطلب ودخل قبرها هو وعلي والفضل، ولم يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنيه غيرها. (31)
وعن محمد بن عمر قال: توفيت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لثلاث ليال خلون من شهر رمضان وهي ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها، وقد اختلف في وقت وفاتها: فروي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: توفيت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر، وأما عائشة فإنها قالت فيما روي عنها: إنها توفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وأما عبد الله بن الحارث فإنه قال فيما روى يزيد بن أبي زياد عنه قال: توفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانية أشهر، قال محمد بن عمر: وقد حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة وحدثنا بن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة رضي الله عنها توفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، قال محمد بن عمر: وهذا أثبت عندنا. (32)
وقد اختلف في سنها وقت وفاتها، فذكر الزبير بن بكار أن عبد الله بن الحسن ابن الحسن دخل على هشام بن عبد الملك وعنده الكلبي فقال هشام لعبد الله ابن الحسن: يا أبا محمد، كم بلغت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السن؟ فقال: ثلاثين سنة، فقال هشام بن الكلبي: كم بلغت من السن؟ فقال خمس وثلاثين سنة، فقال هشام لعبد الله بن الحسن: يا أبا محمد، أسمع الكلبي يقول ما تسمع وقد عني بهذا الشأن؟ فقال عبد الله بن الحسن: يا أمير المؤمنين، سلني عن أمي وسل الكلبي عن أمه. (33)

المصدر:
المراجع
(1) (انظر: الطبقات الكبرى، ج8، ص19، أسد الغابة، ج1، ص1395).
(2) (المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 176، الاستيعاب، ج1، ص612).
(3) (أسد الغابة، ج1، ص1395، والاستيعاب، ج1، ص612 بتصرف).
(4) (أسد الغابة، ج1، ص1396).
(5) (الاستيعاب، ج1، ص612).
(6) (انظر: الطبقات الكبرى، ج8، ص23).
(7) (انظر: الاستيعاب، ج1، ص612).
(8) (صحيح ابن حبان، ج 14، ص 540).
(9) (صحيح البخاري، ج5، ص2329).
(10) (المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 170).
(11) (صحيح مسلم، ج 4، ص 1903).
(12) (صحيح مسلم ج 4 ص 1902).
(13) (صحيح مسلم ج 4 ص 1904).
(14) (صحيح ابن حبان، ج14، ص592).
(15) (مسند أبي يعلى، ج 12، ص 119).
(16) (صحيح البخاري ج 3 ص 1012).
(17) (المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 165).
(18) (المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 175).
(19) (الاستيعاب، ج1، ص614).
(20) (الزهد لهناد، جز2، ص387).
(21) (المعجم الأوسط، ج3، ص160).
(22) (المستدرك على الصحيحين، ج2، ص 452، صحيح الإسناد ولم يخرجاه).
(23) (المستدرك على الصحيحين، ج3، ص 168، تعليق الذهبي في التلخيص: صحيح).
(24) (صحيح ابن حبان، ج15، ص 401).
(25) (صحيح ابن حبان، ج15، ص 464).
(26) (مسند أحمد بن حنبل، ج5، ص391، تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح).
(27) (صحيح ابن حبان، ج15، ص 470).
(28) (مسند أبي يعلى، ج12، ص 121).
(29) (المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 177).
(30) (الاستيعاب، ج1، ص614).
(31) (الاستيعاب، ج1، ص 614 بتصرف).
(32) (المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 176).
(33) (الاستيعاب، ج1، ص 614).