الاثنين، 17 مارس 2014

الانقلاب الشِّيعي وبيع الوهم على الذَّات


  الانقلاب الشِّيعي وبيع الوهم على الذَّات  
     
 
قراءة في كتاب : الانقلاب وبيع الوهم على الذَّات

بين يدي الطَّبعة الثَّانية من السِّيرة الذَّاتية التي كتبها الشَّاعر والأديب الشِّيعي عادل اللباد لتوثيق طرف من ذكرياته، ويقع الكتاب في (464) صفحة من القطع الكبير، وقد صدرت هذه الطَّبعة عام (1431) عن دار ليلى دون تحديد مكانها. وأهدى اللباد كتابه إلى أوائل معتنقي مذهب التَّشيع، وإلى علماء الشِّيعة، وإلى (الشُّهداء) بسبب اعتناقهم المذهب من فجر الإسلام حتى انتفاضة (1400) الباسلة كما يصفها، ولم ينس الثَّكالى ورفاق الدَّرب والسُّجناء، كما شمل الإهداء الذين تاجروا بآمال البلاد عسى أن تكون لهم ذكرى نافعة حتى لو كانوا غير مؤمنين كما توحي النِّقاط المتتابعة!
وأشار المؤلف إلى الانتقادات والتَّهديدات التي تعرَّض لها حين أعلن عزمه على خوض هذه التَّجربة الجريئة، حتى قيل له: مَنْ أنت حتى تنتقد بلدك وتشوِّه صورتها! والقائل يقصد بالبلد الحركة الرِّسالية حسبما أوضح الكاتب الذي لم يقلقه غضب أبناء طائفته؛ وإنَّما أهمَّه مدى جدوى ما يكتبه للأجيال، ولم يمنعه ذلك من مناداة كلِّ ذي تجربة لتسطيرها عسى أن تنير الطَّريق للسَّائرين على المذهب.
وقد جعل اللباد ذاته محوراً لينقل للآخرين صورة مما حدث لها؛ مستفيداً من تجربته الشَّخصية، ومن بعض النِّقاشات بينه وبين رفقاء العمر، ومن الحوار مع مشايخ الحركة الذين ظلوا أوفياء لها أو انقلبوا عليها لاحقا، بالإضافة إلى مطالعة أدبيات تلك الفترة؛ والرُّجوع إلى بعض مواقع النت. واستغرق التَّأليف بضع سنوات قبل أن يدفع أوراقه إلى المطبعة. والكتاب سرد ماتع مع ما فيه من عبارات قاسية، أو معلومات تبقى على محك التَّثبت، وفيما أعلم فهو غير متاح للبيع في المكتبات، وقد قرأت في مواقع شيعية أنَّه يُباع في بعض مكتبات القطيف، وأشار الباحث المختص بشؤون إيران والشِّيعة الأستاذ عمر الزِّيد في لقاء فضائي إلى وجود نسخة إلكترونية منه في الشَّبكة العنكبوتية.
يبدأ المؤلف حكايته من قريته العوامية، ويطيل الحديث عن بذور تدينه التي ترافقت مع أحداث عام (1400) في المنطقة الشَّرقية، ويرويها بأسى بالغ من منظوره الخاص، وللشِّيعة باع عريض في المآسي واللطميات والأحزان إن باطلاً أو حقا، ثمَّ يمضي في الحديث عن تفاصيل تلك الأيام وما فيها من دروس دينية وتربوية على يد أشياخ المذهب. وقد تحقق له حلمه إبَّان أداء فريضة الحج بملاقاة بعض الوفود الإيرانية والإفادة منها، والمشاركة في مسيرة البراءة التي أبهجته برفع صور الخميني في مكة الطَّاهرة! ومن مبالغاته وصفه المظاهرة بالمليونية، وتحميله قوات الأمن السُّعودى نتائج مظاهرات حجاج إيران عام(1407)، وفي تلك الرِّحلة وما تخللها من اجتماعات انبثقت لديه فكرة الدِّراسة الدِّينية في إيران كأمنية سعى لبلوغها.
ولتحقيق هدفه استعدَّ للسَّفر إلى سوريا في طريق (الهجرة) إلى الجمهورية، وشاء الله أن تفشل رحلته بسبب مخالفة أمنية ارتكبها قائد السَّيارة بالاتفاق معه، وبدلاً من السَّفر عاد أدراجه إلى السِّجن في رحلة أبدع في وصفها مكاناً مكانا، وقد أفاض في ذكر أحواله في السِّجن منذ أن كان انفرادياً إلى أن التحق بمجموعة من معارفه وعاش معهم فترة تربية وتعليم خلف القضبان، وكانت الابتهالات والأدعية الشِّيعية زاده الإيماني خلال هذه الفترة إلى أن أُطلق سراحه. ولنصرة المذهب كوَّن مع بعض أصحابه خلية رباعية تمتهن السَّرقة وتوزع المنشورات، إلى أن ضاقت به الأرض ولج عليه حلمه الحوزوي فقرر السَّفر متحدياً قرار حظر مغادرة البلاد.   
وبمساعدة من متبرع أعطاه جواز سفره الخاص، وبعد تغيير الصُّورة، وتنسيق مع آخرين في الكويت وسوريا، حزم عادل اللباد حقائبه إلى الكويت برا، وهناك شاهد مناظر لم يألفها في حياته، وبقي أياماً إلى أن طار نحو سوريا، ومكث بجوار القبور والأضرحة، وحدثت له مواقف لم يعتدها، إلى أن جاءت لحظة تحقيق حلمه الكبير، حلم الهجرة إلى بلد الثَّورة، وبر الأمان حيث ديار أبي أحمد كما يسميه بفخر ونشوة. وصار يعزي نفسه بترداد بيت شعر شهير بعد تحريفه ومخالفة قائله: بلادي وإن جارت عليَّ (ذليلة)؛ وأهلي وإن ضنّوا عليَّ (لئام)!
وفي أرض فارس استبان له مع الأيام أنَّ التَّدريب العسكري يسبق طلب العلم في الحوزات، فانضم دون رغبة شديدة منه إلى برنامج تدريب شاق في بستان معدٍّ لهذا الغرض، وكان التَّدريب على مختلف العمليات القتالية، بدءاً من فك الأسلحة وتركيبها، وإطلاق الرَّصاص والقاذفات، والتَّعامل مع المتفجرات، وألعاب الدِّفاع عن النَّفس، وتكتيكات الاقتحام والهروب والاختفاء، وتسلق الجبال والمشي على الظَّهر والتَّناوب على الحراسة، إلى رمي أهداف خشبية تحمل أسماء زعماء العرب. وكانت أناشيد الثَّورة تصُّب غضبها على حكومات الخليج وتهتف لقيادات طائفية كالمدرسي إخوان والصَّفار، وكلما فتر المتطوعون أطلق بعضهم شعارات وأشعاراً لإشعال فتيل الحماسة، وقد اكتشفوا لاحقاً أنَّ هذه الأناشيد كانت مرتبة لتنشيط المجموعة إن ضعفت أو تعبت.

الكتاب مليء بسجالات تلك المرحلة وأفكارها الصَّريحة تجاه مَنْ استمر معارضا، ونحو مَنْ يراه المؤلف وكثير غيره أنَّهم قاموا بانقلاب على مبادئ الحركة والمعارضة لإرضاء غرور فردي؛ أو لتحقيق مصالح شخصية بحتة؛ خاصَّة أنَّهم لن يغنموا من الحكومة ظفر دجاجة كما قال مرجعهم الشِّيرازي، وقد صار هؤلاء المنقلبون في نظرهم انتهازيين بعد أن كانوا قادة.  


وتحدَّث الكاتب عن منتدى التَّعذيب داخل المعسكر للتَّذكير بعذاب السُّجناء، كما وصف بامتعاض شديد التَّدريبات القاسية التي تؤديها المجموعة راغمة على يد مدربِّها صالح العجمي الذي يحتقر العرب كثيرا، وكانت هذه التَّدريبات مؤشراً لقياس الطَّاعة والولاء! فمن الارتماء جماعياً في بركة باردة آسنة؛ ونزع الملابس بلا استثناء ورفع ما يستر العورتين عالياً ليراه المدرب! إلى أكل القنافذ والسَّحالي، والتَّسابق إلى صيد أكبر عدد من الذُّباب، وأقبحها وضع ضفدع قذر لزج في الفم وتدويره بين الأشداق ثم تناقله بين باقي المتدربين! وقد كان عامة المتدربين من المتفرغين في سبيل الله، القادمين من بلدان الخليج؛ وأعمارهم تقع بين 12-25 عاما، وروى المؤلف بعض التَّجاوزات الأخلاقية بين بعض صغارهم وكبارهم الملتحفين بدثار واحد.
ومن خلال هذا المعسكر علم انَّه عضو في الحركة الرِّسالية التي تقلد المرجع الشِّيرازي، ولهذه الحركة ثلاثة أجنحة ثورية؛ أولها خاص بالعراق، والثَّاني منظمة الثَّورة الإسلامية بقيادة الشَّيخ حسن الصَّفار، والجناح الثَّالث الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين بقيادة هادي المدرسي، وإلى هذا الفصيل البحريني ينتمي اللباد السُّعودي في إشارة واضحة إلى أنَّ شيعة الخليج يتعاونون فيما بينهم متجاوزين السِّياسة وعلم البلدان. وقد كانت أناشيد المعسكر طافحة بتمجيد هذه الحركة وقادتها، وغرس المدربون في روع أولئك الشَّباب المغرَّر بهم أنَّ الرِّسالي جندي تحت الطَّلب قبل أن يكتشف اللباد وبعض مَنْ معه أنَّ الرِّسالي جندي تحت البَّطانية في قصَّة طريفة أوردها في كتابه. وبإجلال وهيبة سطَّر الجندي الرِّسالي شعوره حين ذهبت فرقتهم لزيارة المرجع الشِّيرازي الذي أوصاهم بعشر وصايا منها إجادة القلم للكتابة، وتمرين اللسان للخطابة، وتكوين مكتبة في كلِّ بيت، وتزويج العزَّاب بمبالغ زهيدة.
وبعد حدوث عدد من التَّغيرات داخل إيران أصبحت الشِّعارات تعرج وتخطر على استحياء، وعلى إثر ذلك ونتيجة للاستعلاء الفارسي واحتقار العرب، اضطرت المجموعة للانتقال إلى الهند، حيث قضت هذه الرُّفقة فترة من الزَّمن ذابت فيها بعض المثل والقيم. وفي الهند حكى اللباد قصة المجموعة المصرية المستبصرة التي جاءت تطلب العلم حتى إذا عادت إلى بلادها قبضت عليها السُّلطات المصرية التي كانت بالمرصاد للمدِّ الشِّيعي. ومن الهند سافر المؤلف إلى سوريا لملاقاة أهله بعد طول غياب، وقد عبَّر عن حي السَّيدة زينب في سوريا بأنَّه مكان تعبئة الجماهير، واصطفاء النُّخب للانضمام إلى المعارضين، وهو أيضاً مصدر لتمويل خزائن المعارضة! وشراء أجهزة الفيديو!
وقفل اللباد مرَّة أخرى إلى إيران لطلب العلم في حوزة القائم؛ هذه الحوزة التي تتلمذ فيها (73) رجلاً من شيعة الخليج، وخطَّطوا لإسقاط حكومة البحرين في عملية فاشلة عام (1981). وفي إيران لاحت له معالم دكتاتورية النِّظام الإيراني حين جعلوا قبر الشِّيرازي في قم ممراً تدوسه النِّساء، وصيَّروا قبر شريعتمداري على عتبة دورة مياه عامة في قم! وتبَّدى أمامه حقيقة الخلاف والشِّقاق بين المعارضة الشِّيعية على أموال السُّعوديين وعلى الزَّعامة حتى انقلبوا على بعضهم وعلى مبادئهم، وفي هذا السِّياق اعترف الصَّفار بامتلاك المعارضة رصيداً ضخماً في أوروبا! وقد أحدث له هذا الانقلاب انقلاباً في تفكيره ليتخذ قراره بالعودة لوطنه عام (1413) بعد غياب دام بضع سنوات، وقد أنصف سفارة المملكة في سوريا بحسن تعاملها مقابل صلافة سفارة الجمهورية التي كانت معقد آماله ومنتهى طموحاته.
وفي الكتاب نصٌّ خطير عن الشَّيخ عبد الحميد الخطي قاضي المواريث والأوقاف الذي وجَّه رسالة شفهية لحسن الصَّفار حين عزم على ترك المعارضة والعودة للدَّاخل: "لا تعودوا... والحكومة مالها أمان؛ ولن تعطيكم شيئا!!"، وكان رأي الشَّيخ الخطي أن تظل المعارضة في الخارج للعمل على المطالبة بحقوق الطَّائفة، والضَّغط على الحكومة إعلامياً وسياسيا، وكان هذا الرَّأي هو مبدأ الصَّفار مع مَنْ أصر على المكوث في الخارج؛ حيث يرى أنَّ التَّواصل مع الحكومة جزء من المقاومة مع التزامه بدعم معارضة الخارج! وما أبينَ التَّكامل وتبادل الأدوار لدى القوم.
وفي خضَّم حوارات شباب الشِّيعة مع رموز المعارضة الذين قرروا العودة صرح هؤلاء الرُّموز أنَّهم وضعوا ساسة إيران في صورة خطوات التَّفاوض مع حكومة بلادهم! والكتاب مليء بسجالات تلك المرحلة وأفكارها الصَّريحة تجاه مَنْ استمر معارضا، ونحو مَنْ يراه المؤلف وكثير غيره أنَّهم قاموا بانقلاب على مبادئ الحركة والمعارضة لإرضاء غرور فردي؛ أو لتحقيق مصالح شخصية بحتة؛ خاصَّة أنَّهم لن يغنموا من الحكومة ظفر دجاجة كما قال مرجعهم الشِّيرازي، وقد صار هؤلاء المنقلبون في نظرهم انتهازيين بعد أن كانوا قادة.  
والمؤلف صريح في التَّعبير عن البغض الشَّديد للحكومة وجميع مَنْ اتصل بها، ورميهم بأوصاف لاذعة مقذعة، واعتبار ما سرقوه منهم "غنيمة"! وقرر الكاتب الموقف من أي حاكم ليس على مذهب الرَّفض وأنَّه عندهم امتداد ليزيد أو ابن زياد، وهو ما يعني بطلان حكمهم، وانتظار حال مواتية للانتفاضة عليهم. وقد قال غير مرَّة أنَّ مناطقهم واقعة تحت الاحتلال السُّعودي أو احتلال آل خليفة! ومن عجب أنّ شعارات ثورات الشِّيعة تدَّعي الوحدة مع السنَّة مع أنَّها تعترف بالجندية لصالح نظام الخميني الذي يسوم السنَّة والعرب أشدَّ العذاب، وليت أنَّ المخدوعين من أهل السنَّة ينعموا النَّظر في هذا الكتاب الشَّائق ليقفوا على ما وراء دعوات الشِّيعة للمظاهرات والثَّورات التي تُغلَّف بمطالب مشتركة، وتحتها نيران المجوس الملتهبة.    

 هنا

النصيرية نموذج للاختراق الباطني في الفكر الإسلامي

النصيرية نموذج للاختراق الباطني في الفكر الإسلامي
28-11-2013  |  مركز التأصيل للدراسات والبحوث
يذكر الباحث حكم الإسلام في هذه الطائفة, فيورد فتوى ابن تيمية الطويلة المشهورة, ونذكر منها: (هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى, بل وأكفر من كثير من المشركين, وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين).


النصيرية نموذج للاختراق الباطني في الفكر الإسلامي
الدكتور : الحسين بن محمد شواط
ـــــــــــــ
إذا كانت دراسة أفكار الطوائف الضالة والفرق الهدامة ومعتقداتها والرد عليها من أهم الأعمال, فإن دراسة الطائفة النصيرية تبدو في هذا العصر أكثر أهمية, نظرا لتمكن هذه الطائفة ولأول مرة في تاريخها من تسلم مقاليد الحكم في بلد إسلامي أصيل, يمتاز باستراتيجية موقعه ومتاخمة أرضه لموقع العدو الصهيوني الإسرائيلي الخبيث.
إن الدارس لتاريخ هذه الطائفة يتوقع في كل لحظة أن تسلم بلاد الشام لهذا العدو, تبعا لما عرفوا خلال تاريخهم بالترحيب بكل مستعمر, وتسليم أرض المسلمين لكل غاز, وإن القصور والتقصير في دراسة أمثال هذه الفرق, يعتبر من أهم أسباب الاختراق الباطني الخطير للفكر الإسلامي.
تناولت الدراسة الطائفة النصيرية في تمهيد وخمسة أبواب وخاتمة, تناول الباحث في التمهيد نشأة الفرق الباطنية في الإسلام بشكل عام, جاعلا اليهودي عبد الله بن سبأ على رأس مؤسسي الفرق الباطنية, وأول من نادى بها ودعا إليها, مما يؤكد الدور اليهودي الكبير في النسيج الباطني, بل إن الحركة الباطنية ما هي إلا إفرازة يهودية مسيحية ضد الإسلام.
أما الباب الأول من الدراسة فتناول فيه الباحث تاريخ النصيرية, فنسبتهم لمحمد بن نصير النميري الذي توفي 270هجرية, فسميت النصيرية نسبة لاسمه كما تسمى النميرية, والفرقة كما هو معروف من غلاة الشيعة, أما اسم العلويين الذي يحاول كثير من الكتاب تسمية الطائفة به لمحو جرائم النصيرية وحقيقتهم فمكشوف ومفضوح, حيث من المعلوم تاريخيا أن الفرنسيين هم من أطلقوا هذا الاسم على الدويلة التي اقتطعوها لهم, وأنه لا وجود لهذا الاسم في تاريخ الطائفة أبدا.
تناوب على رئاسة الطائفة وزاعمتها بعد مؤسسها محمد بن نصير النميري الكثير منهم: عبد الله بن محمد الجنبلاوي وحسين بن حمدان الخصيبي والميمون الطبراني وغيرهم, وفي العصر الحديث وفي أحضان ومباركة الاستعمار الفرنسي, أنشأ كل من زكي الأرسوزي النصيري من لواء الاسكندرية, والنصراني ميشيل عفلق حزب البعث, الذي اتخذه النصيرية غطاء لتحركاتهم وتنفيذ أطماعهم, حيث استطاع الحزب القفز على السلطة والاستيلاء عليها بمساعدة الاستعمار الفرنسي في 8 آذار 1963, ثم أقام حكما ديكتاتوريا في سوريا ما زال مستمرا حتى قامت الثورة السورية المباركة عام 2011, والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.
لقد قامت هذه الطائفة باسم حزب البعث بخيانة عظمى بحق الإسلام والمسلمين, حيث سرحوا قيادات الجيش ذات الخبرة الطويلة, وسلموا الجولان للعدو الصهيوني المحتل, حيث تولى حافظ الأسد وزير الدفاع آنذاك إذاعة بيان سقوط الجولان قبل أن يراها الجندي الاسرائيلي فضلا عن أن تطأها قدمه, وجزاء له على فعلته هذه رقى لرتبة فريق دفعة واحدة, وأعطي حكم سوريا لينفذ مؤامرة صليبية صهيونية عالمية.
لقد تناولت الدراسة جانبا خطيرا من الاجتماع السري الأول للطائفة النصيرية الذي عقد بالقرداحة عام 1960 م, وقد ضم مشايخ الطائفة وكبار الضباط, وعلى رأسهم محمد عمران وصلاح جديد, وكان الهدف الرئيسي لهذا الاجتماع الاتفاق على كيفية انخراط الضباط النصيريين في صفوف حزب البعث, واستغلاله للوصول إلى الحكم, حيث تم تكليف مشايخ الطائفة بحث أبنائها للانخراط في الجيش للسيطرة عليه.
في الباب الثاني من هذه الدراسة تناول الباحث عقائد النصيرية, حيث يؤلهون علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ويعتبرون أن عليا هوالإله أو أن الإله قد تجسد في علي, و يصفونه بصفات الألوهية فيقولون : (أشهد أن لا إله إلا علي بن أبي طالب) – والعياذ بالله –
أما الأنبياء فكل نبي لا بد له من معنى, والمعنى هو الذي يمتلك القدرة, فيزعمون أن الاسم يعقوب والمعنى يوسف, وهكذا حتى يصلوا إلى القول: محمد الاسم وعلي المعنى, ويقول النصيريون بقدم العالم, وينكرون البعث والحشر, والصلوات الخمس عندهم رمز لمحمد وفاطمة والحسن والحسين ومحسن, والصوم هو حفظ السر, بينما ترمز الزكاة لسلمان الفارسي, كما يعتقدون يتناسخ الأرواح من بدن لآخر, إلى آخر تلك العقائد الباطلة.
أم بالنسبة لتعاليم النصيرية , والتي تناولها الباحث في الباب الثالث من هذه الدراسة, فتوجد خلاصة وافية لهذه التعاليم في كتيب صغير بعنوان: (كتاب تعليم الديانة النصيرية) ومنه مخطوط بالمكتبة الأهلية بباريس, وهو على طريقة السؤال والجواب, مثال: 1- من الذي خلقنا ؟؟ ج: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين, وقد أورد الباحث على هذا المنوال 100 سؤال وجواب مما هو موجود في هذا الكتيب, إضافة لبعض القداسات التي تشبه قداس النصارى, كقداس الطيب لكل أخ حبيب, وقداس الأذان وغيرها. 
يحتفل النصيريون ببعض الأعياد منها: عيد الغدير في غرة ذي الحجة, وهو عيد للشيعة عامة, نسبة لؤخاة محمد صلى الله عليه وسلم لعلي في غدير (خم) كما يقولون, وعيد الفراش حين نام علي بفراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة, وعيد عاشوراء والنوروز والمهرجان والميلاد.
في الباب الرابع ذكر الباحث فرق النصيرية, حيث تقسم إلى أربعة طوائف: الحيدرية والشمالية والكلازية أو القصرية والغيبية, ومن أهم المؤلفين الذين أدرجوا في التراث الكتابي للنصيرية: المفضل الجعفي المتوفى سنة 180 هجرية, وأبو شعيب محمد بن نصير النميري, ومحمد بن الجنبلاني, وميمون الطبراني, ومن أهم المؤلفات الحديثة كتاب (تاريخ العلويين) لمؤلفه أمين غالب الطويل, والذي طبع عام 1924, ولهم حياة اجتماعية مخالفة تماما لتعاليم الإسلام.
في الباب الخامس والأخير يذكر الباحث حكم الإسلام في هذه الطائفة, فيورد فتوى ابن تيمية الطويلة المشهورة, ونذكر منها: (هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى, بل وأكفر من كثير من المشركين, وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين).
ثم يذكر الباحث آراء بعض العلماء المعاصرين في هذه الطائفة وبعض فتاويهم إن وجدت, كفتوى الشيخ محمد الحامد حيث كان ينبه من خطورة هذه الطائفة ويقول: هؤلاء حاولوا اغتيال صلاح الدين ثلاث مرات, وتسللوا إلى غرفة نومه وكادوا يفتكون به, كما ذكر الباحث رأي الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في هذه الطائفة, والأستاذ صالح العشماوي, والشيخ عبد العزيز بن باز, والأستاذ جابر رزق.
وبذكر أهم نتائج الدراسة واستنتاجاتها, وواجب المسلمين في مواجهة هذه الطائفة يختم الباحث هذه الدراسة المهمة الخطيرة, نظرا لعمق البحث وكثرة المعلومات التي أوردها الباحث وأهميتها, فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير, وما أحوج المكتبة الإسلامية لمثل هذه الدراسات التي تتناول ما استجد في شؤون هذه الفرق والطوائف, ولا تكتف بما هو موجود في أمهات الكتب والمؤلفات السابقة.
 لتحميل الدراسة انقر هنا: 

 

أساطير شيعية..

أساطير شيعية..
10-01-2014  |  رمضان الغنام
لغالب المعتقدات الشيعية الشاذة أصول قديمة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ العقدي عند قدماء الفرس، حيث تتعدد الملل والديانات، في وسط لا يعترف سوى بالأسطورة والحكايات التي تأسر العقل البشري ويعجز عن تفسيرها، ومن ثم فليس أمامه سوى الاستسلام لها، والنظر إليها بشيء من القداسة.


لا يختلف الواقع الشيعي في كثير من ملامحه عن الواقع اليوناني الوثني الذي نمت فيه الخرافات والأساطير، والتي ظلت حاضرة في المخيال الغربي والأوروبي منه على وجه الخصوص.
فلقد أسهمت الأساطير اليونانية بنصيب كبير في تشكيل العقل الأوروبي رغم الحضور الطاغي لمسيحيته، وتعصبه الشديد لها، فكانت الأساطير اليونانية مرتكزاً وأساساً لكثير من المعتقدات التي يؤمن بها المسيحي، ما أدى- إلى جانب عوامل أخرى- إلى تحريف النصرانية وخروجها عن النسق السماوي.
وبذات القدر كان لأساطير دولة آل ساسان بالغ الأثر في بناء الشخصية الشيعية وترسيم حدودها العقدية، عبر مجموعة من الأساطير والمعتقدات الوثنية، والتي توارثها الشيعة، وعملوا على ربطها بواقعهم العقدي.
إضافة إلى أساطير دولة الفرس القديمة كانت هناك أساطير جديدة من صنع الساسانيين الجدد، الذين ناصبوا الدولة الإسلامية، والإسلام العداء، منذ أن سقطت دولتهم في يد المسلمين، ودانت بالولاء لدولة الخلافة، لكنها لم تبتعد كثيراً عن جذور العقل الفارسي، وهذا ما سنجليه خلال الأسطر الآتية.
دلالات لفظة "الأسطورة":
الأسطورة في معناها الاصطلاحي هي حكاية مقدسة، ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان، على حد تعريف فراس السواح لها(1).
ويعرفها كل من "لابيير" و"فارنزورث" بأنها عبارة عن شائعة أصبحت جزءاً من تراث الشعب الشفهي، ومن الناحية اللغوية كثيراً ما نستخدم كلمة شائعة مكان أسطورة والعكس صحيح(2).
وبشكل أوضح يعرفها الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور" بقوله إنها "حكاية تقليدية تتعلق بأحداث وقعت في الزمـن الأول، ومخصصـة لتأسيس الفعل الشعائري، وبشكـل عـام تأسيس كل الأشكال والفكر، من خلالها يفهم الإنسان داخل عالمه"(3).
 فالأسطورة ترتبط بالأساس بالمكون الديني والعقدي الذي يصنعه الإنسان لنفسه، ودائما ما تقترن بالديانات الوضعية القديمة، التي تكثر فيها الخرافة، عبر مجموعة من الحكايات المغرقة في الخيال واللامعقول.
يقول الأستاذ أنور الجندي: "معظم أساطير الأولين هي من صنع خيال السومريين والبابليين، وأنها قد وضعت لتفسير الخليقة والتكوين وأحوال الآلهة التي هي في صراع مع الإنسان، وإيضاح حادثات الكون الكبرى وفكرة الجان والشياطين والروح والنفس، وقد انتشرت حتى بلغت الجزيرة العربية، ومنها ما رواه هيردوت اليوناني وتيودور الصقلي وما ورد في العهد القديم"(4).
يضيف الأستاذ الجندي: "ولا ريب أن هذا كان بضاعة الوثنيين وما زال صناعة الكارهين لدين الله الحق، ذلك أن دين الله منذ أول البشرية قد قام لمعتنقيه الإجابات الكاملة لكل هذه التساؤلات وهدي نفوس البشر إلى الحق والهدى"(5).
بين الاثنى عشرية، وديانات إيران القديمة:
خلال هذا المقال سنطوِّف سريعاً على عدد من الأساطير الشيعية التي ارتهن وجودها بتأثيرات قديمة ترتبط بالأساس بتاريخ إيران ومعتقدها الوثني القديم، مع بيان العلاقة بين أساطير شيعة اليوم والوثنية الفارسية القديمة..
فبين الاثنى عشرية وديانات إيران القديمة تلاقح عجيب، وقد لخص هذا التلاقح الكاتب خليل الرفاعي بقوله: "إن ديانة الفرس المجوس الاثنا عشرية ليست ديانة إشراك بالله بجعل الأنداد لله والتعبد بالقبور والأوثان والظواهر والكواكب تقرباً إلى الله زلفاً، كما تعارفت عليه الأديان الوثنية العديدة التي صنعها البشر، بل هي ديانة نفي الله وإلغاءه بالافتراء عليه بإعادة هيكلة المجوسية وصياغتها بثنائية ألوهية القبور وربوبية الآيات وأحبار المعابد (الحوزات) وقداسة كهنة ورهبان الزرادشتيات (الحسينيات) حيث تنفرد الديانة المجوسية عن سائر الأديان الوثنية الأخرى بأنها نتاج عقل جمعي فارسي قومي"(6).
أسطورة "ميثرا" ومبدأ الحق الإلهي:
الحق الإلهي مبدأ قديم، وهو مبدأ شائع عند جماعات بشرية كثيرة، وهذا المبدأ في أساسة لا شيء فيه، بل هو الواجب اعتقاده عند كل جماعة أو فرقة أو ملة، لكن مشكلته في هذا السياق تكمن في التطبيقات البشرية له، وامتزاجه بالأساطير التي راجت في إيران القديمة، وغيرها من بيئات العالم القديم.
والحق الإلهي باختصار يعني "أن الله هو المصدر الحقيقي للسلطة في الأرض"، لكن العقل الشيعي وقبله العقل الإغريقي والفارسي، قاموا بسلب هذا الحق من الله عز وجل وتوكيل البشر به، بل تأليههم ليحق لهم ما يحق لله عز وجل.
فشابه ذلك عند الشيعة عقيدة الولي المعصوم، الذي منح كافة الصلاحيات لتقرير ما شاء من العقائد وحذف ما شاء، إلى جانب ذلك رأى الشيعة أنه لا حق لأحد في تولي أمور المسلمين من خارج السرب الشيعي، فهم الأطهار دون غيرهم، وهم الأحق بكل شرف، وبكل ولاية ورئاسة.
ومن تبعات هذه المذهب أيضا- بل هو التبعة الأولى التي نشأ عنها غالب العقائد الفاسدة في المعتقد الشيعي، فيما يخص هذه الأسطورة- اعتبار السلطان الحاكم بأمر الله، الذي له الحق في التصرف في رعيته بما شاء وكيفما شاء، أو ما يعرف اليوم بالحكم الثيوقراطي.
ولمبدأ الحق الإلهي جذور في أساطير الديانة الميثروية- وهي إحدى الديانات الإيرانية القديمة- فقد كان لأسطورة تأليه ميثرا عظيم الأثر في انتشار هذه الديانة، واعتناق العامة لها، ونفاذها إلى أكثر من ديانة وحضارة.
و"الاعتقاد السائد بشأن الميثروية، أنها ليس إلا نتيجة تمازج بين معتقدات ما بين النهرين وفارس حيث تجسد الإله الإيراني ميثرا مع شمش، إله الشمس في بلاد ما بين النهرين، وانتشرت هذه العبادة في المناطق الغربية لحدود الدولة الأخمينية، من آسيا الصغرى إلى بابل وأرمينيا في النصف الثاني للألف الأول ق.م. حيث ظهر ميثرا عند الرومان والإغريق متمثلا بشخص الإله هيلوس"(7).
و"ميثرا أو ميهرا أو(مهرا، ميترا، مهر، ميهير، والذي اشتق من اسمه بالفارسية لفظة مهرجان، للدلالة على الاحتفال) ظهر اسمه في التاريخ لأول مرة في نص الاتفاقية التي جرت بين الملك الحثي -شوبيلو ليوما- و-ماتيوازه- الميتاني عام 1350ق.م، بينما ترجع الديانة الميثرية بتاريخها إلى حوالي القرن الـ 16 ق.م، في مناطق فارس القديمة، وفترة انتشار الآريين في مرتفعات جبال زاغروس، وشمالي وادي الرافدين"(8).
ويرى نبيل فياض في دراسة موجزة له عن "الميثرائية" أنه منذ القرن الثاني للميلاد، راح الأباطرة يشجعون على انتشار الميثرويّة، لأنها تدعم الحق الإلهي للملوك، فقد كان الفرس يعتقدون أنّ الملك الشرعي إنما يحكم بنعمة أهورا مازدا، الذي كان يظهر معروفه بإرسال هفارينو- Hvareno- أي هالة نار سماويّة؛ وفي رأيهم أن الشمس هي التي تمنح الهفارينو، من هنا يصبح ميثرا، المتماثل مع سول أنفكتس-Sol Invictus- ذاك الذي يعطي السلطة والنصر للبيت الملكي(9).
أسطورة "ساوشيانت"، ومهدي السرداب (المنتظر):
فكرة انتظار المخلص فكرة شائعة في غالب الديانات والملل، بل ربما وُجد لكل فرقة من فرق الديانة الواحدة منتظراً خاصاً بها ترجوه وتتهيأ له، وتهيئ أجواء قدومه، لمنحهم الخلاص، وهذه الفكرة حاضرة عند الشيعة الاثنى عشرية بشكل طاغي، ولا نكون مبالغين إن قلنا أن لُبَّ العقيدة الاثنى عشرية وفحواها يتجسد في فكرة انتظار "مهديهم المنتظر"، بل ما سموا أنفسهم اثنى عشرية إلا لأن مهديهم هو الإمام المتمم لأحد عشر إماماً من أئمتهم، قد سبقوه.
ولسنا هنا بصدد تفنيد هذا الزعم وإثبات كذبه، ويكفينا القول إن منتظر الشيعة لم يوجد بالأساس، فمحمد بن الحسن العسكري، مهدي الشيعة المزعوم، لم يولد من الأساس حتى يجلس الشيعة ليقيموا لطميات انتظاره على باب سردابه، ليعود وينتقم لهم من أعدائهم. فالحسن العسكري -وهو الإمام الحادي عشر عندهم- كان عقيماً، وبهذا يبطل زعم الشيعة، بل يبطل مذهبهم القائم على فكرة الإمامة والمهدية.
نأتي الآن إلى الحديث عن فكرة الانتظار في ديانات إيران القديمة، وهي فكرة لا تبتعد كثيراً عن معتقد شيعة إيران الآن، يقول المستشرق الفرنسي هنري كوربان المتخصص في الشأن الشيعي، لبيان علاقة منتظر الشيعة بالأساطير الفارسية القديمة: "إن فكرة الإمام الثاني عشر، الشيعية، الإمام «المحجوب» المستور، الإمام «المنتظر» تسجل نسبة ملفتة للنظر مع فكرة المنقذ سوستنيان في فارس زورواستر القديمة"(10).
كما أن الظروف المحيطة بمخلص الزرادشتية والديانات الوثنية بصفة عامة تتشابه إلى حد كبير مع زعم الشيعة حول أحوال مخلصهم، فـ"أكثر المخلصين في الديانات الوثنية ولدوا في كهوف أو جحور تحت الأرض، وكذا مهدي الرافضة في سرداب سامراء، والمخلصون في الديانات الوثنية قهروا بقوى الشر والظلم، وكذا الروافض زعموا أن أئمتهم قهروا وقتلوا"(11).
ويذهب علماء وباحثون، ومنهم علماء من الشيعة إلى أن فكرة المهدية فكرة مقتبسة من أصول أسطورية فارسية مجوسية، يقول الشيخ أحمد الكسروي- وهو شيعي سابق تحول إلى السنة-: "لا يخفى أن قدماء الفرس كانوا يعتقدون بإله خير يسمى «يزدان»، وإله شر يسمى «أهرمن»، ويزعمون أنهما لا يزالان يحكمان الأرض حتى يقوم «ساوشيانت» النبي، فيغلب «أهرمن»، ويصير العالم مهداً للخير، وقد تأصّل عندهم هذا المعتقد، فلما ظهر الإسلام وفتح المسلمون العراق وإيران واختلطوا بالإيرانيين سرى ذلك المعتقد منهم إلى المسلمين ونشأ بينهم بسرعة غريبة"(12). و "ساوشيانت" هو مخلص الزرادشتية المنتظر.
أسطورة "اهورامزدا" و"هرمن"، وإشراك الله في أفعاله:
من الأفهام المغلوطة لمعاني الربوبية عند الشيعة قولهم أن الله يفعل الخير ولا علاقة له بأفعال الشر، وهو فهم قاصر لمقام الربوبية، وذلك لأن من لوازمه أن يكون لله شريكاً في تصريف أمور هذا الكون، مختصاً بأفعال الشر التي نزَّهوا الله عنها جهلاً أو عناداً وكفراً.
فقد جاء عن المفيد قوله: "إن الله تعالى لا يريد إلا ما حسن من الأفعال ولا يشاء إلا الجميل ولا يريد القبائح ولا يشاء الفواحش"(13).
وهذا القول يقارب قول المجوس، حيث زعموا أن للعالم خالقين، خالق للخير ويسمونه "اهورامزدا"، وخالق للشر ويسمونه "هرمن"، فـ" اهورامزدا" هو الإله الأوحد الذي يمثل الخير والحق والنور، أما "هرمن" فهو يمثل الشيطان والشر والظلام، وهو مسبب الخطايا والجرائم في هذا الكون بحسب الزعم الزرادشتي(14).
وهكذا فلغالب المعتقدات الشيعية الشاذة أصول قديمة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ العقدي عند قدماء الفرس، حيث تتعدد الملل والديانات، في وسط لا يعترف سوى بالأسطورة والحكايات التي تأسر العقل البشري ويعجز عن تفسيرها، ومن ثم فليس أمامه سوى الاستسلام لها، والنظر إليها بشيء من القداسة.
فهذه كانت إطلاله سريعة على الواقع الشيعي الاثني عشري، لبيان ما عليه شيعة اليوم من ضلالات، وسوء معتقد، وما ذكرته هنا- كما يقال- غيض من فيض، وليس الأمر عند الشيعة الاثنى عشرية قاصر على خرافات الفرس، بل في العقيدة الشيعية أساطير تستمد أصولها من خارج السياق الفارسي المجوسي، إلى سياقات أخرى إغريقية وبابلية يهودية..الخ.
ـــــــــــ
الهامش:
(1) الأسطورة والمعنى- فراس السواح: (ص:14).
(2) الحرب النفسية- معركة الكلمة والمعتقد- صلاح نصر: (1/311).
(3) الأسطورة- يونس لوليدي: (ص:7).
(4) مقال: ابتعاث الأسطورة مؤامرة جديدة تواجه الفكر الإسلامي- الأستاذ أنور الجندي.
(5) المرجع السابق.
(6) مقال: منطلقات الثأر الفارسي القومي و حَربِ الانتقام المجوسيةِ ضِدَّ "الله، الإسلام، العرب"، ج1، للكاتب خليل الرفاعي.
(7) مقال: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني- سلام السومري.
(8) المرجع السابق.
(9) نصوص سرّانيّة الميثرائية- نبيل فياض.
(10) في الإسلام الإيراني جوانب روحِية وفلسفية "الشيعة الاثنا عشرية"- هنري كوربان- ترجمة: د. ذوقان قرقوط: (ص:23).
(11) أثر الديانات الوثنية في عقائد الرافضة- د. بسمة بن محمد جستنية- رسالة دكتوراه : (ص:611-612).
(12) التشيع والشيعة- أحمد الكسروي: (ص:35).
(13) تصحيح اعتقادات الإمامية للشيخ المفيد: (ص:50).
(14) ينظر: معتقدات آسيوية- كامل سعفان: (ص:106-107).
 
أعلى الصفحة

التقية دين الشيعة الخفي

التقية دين الشيعة الخفي
28-03-2013  |  مركز التأصيل للدراسات والبحوث
التقية اتخاذ الحيطة والحذر حفاظا على النفس أو المال أو العرض، وذلك بأن يُظهر الإنسان غير ما يضمر إذا اجتمع بمخالفيه في المعتقد حتى لا ينكشف أمره أو يفشو سره، فيتعرض للأذى أو الشر





تعريف التقية عند أهل السنة:

يقول أحد الباحثين: "قلما نجد من علماء أهل السنة من يفرد للحديث عن التقية بابا خاصا، وإنما يذكر الفقهاء أحكام التقية في أبواب الإكراه وأحكام الأسير، كما يتعرض علماء الأصول لهذا الموضوع في باب الرخصة والعزيمة أو في باب عوارض الأهلية"(1).

وقد أسهب البعض- من علماء أهل السنة- في حديثه عن التقية، لكن ذلك كان في معرض الرد على الشيعة، وبيان فساد معتقدهم، ومن هؤلاء العلامة الآلوسي.

ومن تعريفات التقية عند أهل السنة قول السرخسي: "التقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهر، وإن كان يضمر خلافه"(2).

كما عرفها من المحدثين الدكتور أحمد جلي بقوله: "التقية اتخاذ الحيطة والحذر حفاظا على النفس أو المال أو العرض، وذلك بأن يُظهر الإنسان غير ما يضمر إذا اجتمع بمخالفيه في المعتقد حتى لا ينكشف أمره أو يفشو سره، فيتعرض للأذى أو الشر"(3).

منزلة التقية عند أهل السنة:

ورغم جواز الأخذ برخصة التقية في حال الخوف والإكراه، إلا أن علماء أهل السنة بينوا أن الأفضل للمسلم أن يأخذ بالعزيمة، ويبذل نفسه في سبيل الله، لأن في ذلك إعزازا للدين وإغاظة للمشركين، فهو بمنزلة من قاتل العدو حتى قتل، إلا إذا كان في الأخذ بالتقية درءا لمفسدة أعظم عن المسلمين أو تحقيقا لمصلحة متعدية(4)، والتقية رغم مشروعيتها إلا أن للأخذ بها ضوابط لا بد من توافرها، قد بينها العلماء.

قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يحكم عليه بالكفر"(5).

وقال ابن بطال في الأخذ بالعزيمة: "أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله"(6).

فهذه صورة إجمالية عن معتقد أهل السنة في مسألة التقية، وهي تختلف تمام الاختلاف عن النظرة الشيعية، ففي الوقت الذي يرى فيه أهل السنة أن التقية رخصة، وأن تركها والأخذ بالعزيمة أفضل، في الوقت الذي يرى فيه أهل السنة ذلك يرى الشيعة أن التقية ليست برخصة بل هي ركن من أركان الدين كالصلاة بل أعظم، كما أن التقية عند أهل السنة لا تكون إلا بين المسلم والكافر لا بين مسلم ومسلم آخر كما يفعل الشيعة.

التقية عند الشيعة:

عرفها شيخهم المفيد بقوله :"التقية كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين أو الدنيا"(7).

يقول الدكتور ناصر القفاري: "فالمفيد يعرف التقية بأنها الكتمان للاعتقاد خشية الضرر من المخالفين- وهم أهلُ السنة كما هو الغالب في إطلاق هذا اللفظ عندهم- أي هي إظهار مذهب أهل السنة (الذي يرونه باطلاً)، وكتمان مذهب الرافضة الذي يرونه هو الحق، من هنا يرى بعض أهل السنة: أن أصحاب هذه العقيدة هم شر من المنافقين؛ لأن المنافقين يعتقدون أن ما يبطنون من كفر هو باطل، ويتظاهرون بالإسلام خوفًا، وأما هؤلاء فيرون أن ما يبطنون هو الحق، وأن طريقتهم هي منهج الرسل والأئمة"(8).

منزلة التقية عند الشيعة:

يقول الشيخ الصدوق في كتابه (الاعتقادات في دين الإمامية): "التقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم- عليه السلام- فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله ودين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة"(9).

فكما قلنا سابقا: التقية ليست مجرد رخصة دينية تستخدم عند الضرورة كما هو الحال عند أهل السنة، إنما يرى الشيعة أن التقية ركن أصيل من أركان دينهم فقد نقل الكليني عن ابن عمير الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شيء إلا النبيذ والمسح على الخفين"(10).

وذكر الكليني في موضع آخر: قال أبو جعفر: (التقية من ديني ودين أبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له)(11).

وأقل أحوال التقية عند الشيعة أنها تعدل الصلاة، فمن تركها كمن ترك الصلاة المفروضة، قال الكليني، قال الصادق: (لو قلت لك إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا)(12).

وقال الشيخ الصدوق: (اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة)(13).

وعلى هذا الأساس فقد جعل الشيعة ترك التقية كاقتراف الشرك، فكما لا يغفر الشرك فالتقية لا يغفرها الله، ذكر المجلسي في بحار الأنوار عن علي بن الحسين رحمهما الله قال: (يغفر الله للمؤمنين كل ذنب، ويطهر منه في الدنيا والآخرة، ما خلا ذنبين: ترك التقية وتضييع حقوق الإخوان)(14).

الشيعة والتقية وتحريف معاني القرآن:

لإثبات معتقدهم الفاسد لجأ الشيعة إلى تفسير القرآن الكريم تفسيرا يوافق معتقدهم، قال الشيخ الصدوق: سئل الصادق عن قول الله عز وجل: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(15) قال: (أعلمكم بالتقية)(16).

ومن ذلك أيضا تفسيرهم لقوله تعالى: (لاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ)(17)، ففسروا الحسنة بالتقية، والسيئة بالإذاعة(18).

ومنه تفسيرهم لقوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(19) قالوا : التي هي أحسن: التقية(20)، ولا شك أن هذه التفاسير تفاسير باطله ما قال بها أحد من العلماء الآثبات.

الآثار المترتبة على عقيدة التقية "الشيعية":

ترتب على الأخذ بعقيدة التقية لدى الشيعة عدة سلبيات ومنها:

* ضياع عقيدة مذهب الأئمة عند الشيعة، حتى أن شيوخهم لا يعلمون في الكثير من أقوالهم أيها تقية وأيها حقيقة، ولذلك لجأ علماء الشيعة إلى حيلة فضعوا لأتباعهم ميزانا أخرج المذهب إلى دائرة الغلو، وهو أن ما خالف العامة فيه الرشاد"(21)، والمقصود بالعامة عندهم هم أهل السنة.

* أدى الأخذ بعقيدة التقية عند الشيعة إلى تعطيل الكثير من النصوص الثابتة في مذهبهم، توافق المسلمين وتخالف ما شذوا به من عقائد وآراء(22).

* وكما عطل معتقد التقية الاستفادة من الأحاديث التي في كتبهم وهي موافقة لما عند المسلمين ومخالفة لشذوذهم كذلك عطل هذا الاعتقاد استفادة الشيعة أنفسهم من كل صوت معتدل ينشأ بينهم، فمثلا حينما أنكر شيوخهم "المرتضي، والصدوق، والطبرسي" فرية الطعن في كتاب الله بالقول بتحريفه ونفوا عن مذهب الشيعة هذه المقولة، قال شيخهم نعمة الله الجزائري الموصوف عندهم بـ"السيد السند والركن والمعتمد الخ" قال بأن هذا "الإنكار" هو من باب التقية"(23).

* تحول المجتمع الشيعي بسبب الأخذ بهذه العقيدة إلى مجتمع نفاقي قائم على الكذب والغش والخداع.

* سهل هذا المبدأ على الكذبة وأصحاب الأفكار المضطربة والعقائد الضالة العبث بعقول الشيعة، وإفساد الدين عليهم، وهو أمر مشاهد بوضوح عند أئمة الشيعة وأتباعهم.

ـــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) التقية عند الشيعة والخوارج وموقف أهل السنة منها- للباحث: أنس أحمد كرزون: (ص:45)- رسالة علمية- جامعة أم القرى- 1409هـ.

(2) المبسوط للسرخسي: (24/45)- دار المعرفة- بيروت.

(3) دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين- للدكتور أحمد جلي: (ص:153)- مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية- ط1- 1406هـ.

(4) ينظر: التقية عند الشيعة والخوارج وموقف أهل السنة منها- للباحث: أنس أحمد كرزون: (ص:74)- رسالة علمية- جامعة أم القرى- 1409هـ.

(5) فتح الباري لابن حجر: (12/314)- تحقيق: محب الدين الخطيب- دار المعرفة- بيروت.

(6) المرجع السابق: (12/317).

(7) صحيح اعتقادات الإمامية للشيخ المفيد: (ص:137)- دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت – لبنان- 1414هـ.

(8) أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، عرض ونقد- للدكتور ناصر القفاري: (2/805)- ط2- 1415هـ.

(9) الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق: (ص:108)- دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان.

(10) الكافي للكليني: (2/217)- دار الكتب الإسلامية – طهران- 1365هـ.

(11)[ الكافي للكليني: (2/220).

(12) بحار الأنوار للمجلسي: (50/181)- دار إحياء التراث العربي - بيروت – لبنان- 1403هـ.

(13) الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق: (ص:107).

(14) بحار الأنوار للمجلسي: (72/415)- دار إحياء التراث العربي - بيروت – لبنان- 1403هـ.

(15) سورة الحجرات، الآية:(13).

(16) الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق: (ص:108).

 (17) سورة فُصِّلَت، الآية:(34).

(18) شرح أصول الكافي للمازندراني: (9/118)- دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان- 1421هـ.

(19)  سورة المؤمنون، الآية: (96).

(20) شرح أصول الكافي للمازندراني: (9/121).

(21) أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، عرض ونقد- للدكتور ناصر القفاري: (2/814)- بتصرف.

(22) مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة- ناصر القفاري: (ص:122)- دار طيبة – 1413هـ.

(23) المرجع السابق: (ص:123).


 
أعلى الصفحة

المظاهر الشركية في العقائد الشيعية


المظاهر الشركية في العقائد الشيعية
15-03-2014  |  مركز التأصيل للدراسات والبحوث
لم تسلم عقائد الشيعة الاثني عشرية من التلوث بالشركيات , كما لم تسلم من هذه اللوثة الخطيرة الكثير من الفرق الباطلة, فإذا ما حاولوا تأويل الكثير من شطحاتهم واعتقاداتهم الباطلة, سواء في القرآن الكريم أو سب الصحابة أوعقيدة الغيبة والرجعة أو غير ذلك, فإن مظاهر الوقوع في الخلل العقدي لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال.


لم تسلم عقائد الشيعة الاثني عشرية من التلوث بالشركيات , كما لم تسلم من هذه اللوثة الخطيرة الكثير من الفرق الباطلة, فإذا ما حاولوا تأويل الكثير من شطحاتهم واعتقاداتهم الباطلة, سواء في القرآن الكريم أو سب الصحابة أوعقيدة الغيبة والرجعة أو غير ذلك, فإن مظاهر الوقوع في الخلل العقدي لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال.
ومن المعلوم أن الشرك بالله تعالى في الإسلام من أعظم الجرائم والآثام عند الله تعالى, والذي لا يمكن أن يغفر أو يتجاوز الله عنه بنص القرآن الكريم, قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} النساء/48, وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} النساء/116.
وتظهر الشركبات في أكثر من مكان في عقائد الشيعة, وقد جاء كل ذلك مسطورا في كتبهم المعتمدة, ومن أهم دلك في عقائد الشيعة ما يلي:
1- اعتقادهم بأن أئمتهم الاثني عشر هم الواسطة بين الله تعالى وبين خلقه, وقد جاء في كتاب بحار الأنوار للمجلسي: (فإنهم –أي الأئمة الاثني عشر– حجب الرب والوسائط بينه وبين الخلق) 23/97, كما بوب المجلسي في نفس الكتاب (باب أن الناس لا يهتدون إلا بهم, وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله, وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم), وجاء في أخبارهم أن أبا عبد الله قال: (نحن السبب بينكم وبين الله) بحار الأنوار 101/23, كما جاء في كتاب عقائد الإمامية: (أن الأئمة الاثني عشر هم أبواب الله والسبل إليه ...إنهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق) 98/99.
ومن المعلوم أن الإسلام ألغى الواسطة بين العبد وربه بقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة/186, وإذا كان أهل السنة والجماعة يعتقدون بأن الأنبياء والرسل هم الواسطة بين الله وعباده في تبليغ أمر الله وشرعه, فإن الشيعة الإمامية تعتقد وجود هذا المعنى في الأئمة.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن قال: لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإننا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك.أجاب -رحمه الله– بقوله: إن أراد أنه لابد لنا من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به وينهى عنه إلا بواسطة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده.
وإن أرادوا بالواسطة: أنه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكونوا واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألون ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفَّر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار. مجموع الفتاوى/الواسطة بين الخلق والحق 1/121.
2- يعتقد الشيعة أن أئمتهم لهم حق التشريع بالتحليل والتحريم والأمر والنهي, جاء في كتاب أصول الكافي للكليني: (خلق الله محمدا وعليا وفاطمة, فمكثوا ألف دهر, ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها, وأجرى طاعتهم عليها, وفوض أمورها إليهم, فهم يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون) 1/441.
ومن المعلوم أن حق التشريع والتحليل والتحريم لله تعالى وحده, يبلغه الله لعباده عبر سفرائه في الأرض الأنبياء والرسل حصرا, وذلك من خلال الوحي المنزل عليهم من الله تعالى.
3- يستغيث الشيعة الإمامية بقبور أئمتهم في أمور لا يقدر عليها إلا الله تعالى, كالشفاء من الأمراض وإجابة الطلبات والحاجات وغير ذلك, فقد جاء في بحار الأنوار ما نصه: (إذا كان لك حاجة إلى الله تعالى فاكتب رقعة على بركة الله, واطرحها على قبر من قبور الأئمة إن شئت, أو فشدها واختمها واعجن طينا نظيفا واجعلها فيه, واطرحها في نهر جار أو في بئر عميقة أو غدير ماء, فإنها تصل إلى السيد عليه السلام, وهو يتولى حاجتك بنفسه) 94/29, وهناك أدعية كثيرة تسير على هذا الضلال في الغلو بالأئمة إلى مقام خالق الأرض والسماوات، و قد جمعت في كتب الأدعية عندهم: كمفاتيح الجنان وعمدة الزائر وغيرهما، وقد وردت في كتبهم المعتمدة في أبواب المزار والأدعية,
كما أنهم يذبحون وينذرون عند قبور أئمتهم, ويسجدون ويركعون عندها, حتى وصل الأمر بهم إلى أن لكل قبر وضريح بإيران رقما خاصا بالبنوك تجمع فيه النذور والتبرعات, وقد قرر المجلسي أن الأئمة -كما يزعم– (الشّفاء الأكبر والدّواء الأعظم لمن استشفى بهم) بحار الأنوار/33/94.
4- يعتقدون أنه لا هداية للناس إلا بالأئمة: وقد ورد في أخبارهم قول أبي جعفر: (بنا عُبد الله وبنا عُرف الله وبنا وُحد الله ) بحار الأنوار/23/103, ومن المعلوم أن الهداية في الحقيقة من عند الله وحده, قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} الكهف/17, وقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} القصص/56 –-.
5- قولهم بأن الدعاء لا يقبل إلا بأسماء أئمتهم, فقد قالوا: لا يفلح من دعا الله بغير الأئمة ومن فعل ذلك فقد هلك, كما جاء في أخبارهم عن الأئمة: (من دعا الله بنا أفلح ومن دعا بغيرنا هلك واستهلك) وسائل الشيعة/4/1142, وبلغت بهم الجرأة على القول: (بأن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بالأئمة –صلوات الله عليهم-) بحار الأنوار/26/319, وهو تأليه للأئمة بشكل أو بآخر, : {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} العنكبوت/65.
6- يعتقدون أن زيارة قبور أئمتهم أعظم من الحج إلى بيت الله الحرام, وقد جاء في فروع الكافي قوله: (إن زيارة قبر الحسين تعدل عشرين حجة وأفضل من عشرين عمرة وحجة) 59, وحينما قال أحد الشّيعة لإمامه: (إنّي حججت تسع عشرة حجّة، وتسع عشرة عمرة) أجابه الإمام - بأسلوب يشبه السخرية قائلا: (حجّ حجّة أخرى، واعتمر عمرة أخرى، تكتب لك زيارة قبر الحسين عليه السّلام) تهذيب الأحكام للطوسي 2/16.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: (حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى البيت العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله وحده، وهذا من أعظم الإيمان بالطاغوت) منهاج السنة 2/124.
كما أنهم يطوفون حول قبور أئمتهم ويصلون عندها وينكبون على القبر يقبلونه ويناجونه, بل ويتخذونه قبلة كبيت الله الحرام –والعياذ بالله– قال المجلسي: (إنّ استقبال القبر أمر لازم، وإن لم يكن موافقًا للقبلة.. واستقبال القبر للزّائر بمنزلة استقبال القبلة وهو وجه الله، أي جهته التي أمر النّاس باستقبالها في تلك الحالة) بحار الأنوار/101/369.
7- يعتقدون بأن الرب هو الإمام الذي يسكن الأرض, كما جاء في كتاب (مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار) أن عليا –رضي الله عنه– قال –كما يزعمون ويفترون– (أنا رب الأرض الذي تسكن الأرض به ) 59, كما يعتقدون بأن الدنيا والآخرة بيد الإمام, يتصرف بها كيف يشاء, جاء في كتاب الكافي عن أبي عبد الله قال: (أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء, ويدفعها إلى من يشاء ) 1/407,
8- إسناد الحوادث الكونية لأئمتهم, والتي لا يتصرف بها في الحقيقة إلا الله تعالى, كالرعد والبرق وغير ذلك, فقد أورد المجلسي عن سماعة بن مهران قال: (كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فأرعدت السماء وأبرقت, فقال أبو عبد الله: أما إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البرق فإنه من أمر صاحبكم, قلت: من صاحبنا؟ قال: أمير المؤمنين عليه السلام) 27/33.
9- يعتقدون بنزول الوحي على أئمتهم وعلمهم بالغيب, فيقولون بنزول الوحي على أئمتهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد روى إمامهم الصفار أخبارا لا تحصى في هذا الجانب في كتابه (بصائر الدرجات الكبرى), كما أورد الكليني في كتابه الكافي بابا بعنوان: (باب أن الأئمة عليهم السلام يعلمون علم ما كان لاوما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء) 1/260

أعلى الصفحة

كيف نقرأ سيرة معاوية رضي الله عنه؟ سعد مقبل العنزي



سعد مقبل العنزي *
الوصف: https://blogger.googleusercontent.com/img/proxy/AVvXsEj1cj0TgFhO2yNop9MJxO7nTFdB5du8rdSgHDE3ADB_ABYqsvXLjWf3V6-2HAe2PY6JX3cgjYghoFLjoT2lVOBqnDNIPbY86h-cnQxsJVe1zW3HawH7NDnFDbxK3aXkL-GrNHh8IGIdgSb7QiFXSwdPTF_QVFPfyzeP3zLh-18=
خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وعن أبيه هي امتداد لعصر النبوة، وعصر الخلافة الراشدة لقوله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي القرن الذين يلوني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.."(1)، فلماذا يأتي الهجوم الآن على معاوية رضي الله عنه، ثم لماذا السكوت من تيارات فكرية لها حضورها في الساحة الثقافية اليوم؟.
لا يجب أن نفهم هذا إلا أنه اتساق فكري - عصراني وليبرالي - مع لغة النار الباطنية المجوسية على ثرى الشام، والتي لا تزال تزهق الأرواح، وتستأصل المبادئ، وتنتهك القيم على مرأى ومسمع من العالم.
مما لا يخفى أن من معالم منهج أهل السنة أنهم ينظرون إلى عصر الخلافة الراشدة باعتباره أميز العصور في تاريخهم بعد عصر النبوة، حيث تولى الحكم كبار الصحابة المقربين من النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد لهم بالسابقة والفضل والبشارة بالجنة، تعاونهم أعداد من الصحابة     الذين نزل القرآن بتعديلهم، وهم الذين مثلوا النخبة القيادية في الفكر والسياسة، والإدارة والاقتصاد والفتوح(2).
وعند القراءة لتاريخ هذا العصر يتعين علينا مراعاة البعد المقاصدي في النظر لصحة الأخبار وتحليلها, فغياب مثل هذا الجانب يوقع في أمرين خطيرين:
الأول: إهمال هدي الجيل الأول وإدراكهم لمقاصد الشريعة في التعامل مع السيرة النبوية بشكل خاص والتاريخ الإسلامي بشكل عام, وهو ما أقر به أحد الباحثين بقوله: "أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أصحاب وعي تاريخي"(3)، وهذا الوعي المقاصدي بالتاريخ له شاهدان(4):
1- تعامل الصحابة رضوان الله عليهم مع السيرة النبوية ككيان معرفي مستقل وقائم بذاته فعن علي بن الحسين قال: "كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه كما نعلم السورة من القرآن"(5).
2- توظيف الصحابة رضوان الله عليهم هذا الكيان المعرفي وجدانياً في تربية النشء فعن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: "كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعدها علينا، وسراياه، ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها"(6).
ويكشف ابن تيمية رحمه الله عن مآلات الإعراض عن السيرة النبوية بقوله: "ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم؛ لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم؛ لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام.."(7).
ففي استنطاق سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه تنكشف مقاصد شرعية للباحث والدارس يقول ابن تيمية: "من أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه الله ورسوله؛ فلينظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه"(8).
الثاني: تجاهل أثر الذهول عن المقاصد في نقل الأخبار وتفسيرها, والذي يعد من أسباب الوضع والكذب كما قرر ذلك ابن خلدون في مقدمته(9).
والخطاب الحداثي والعصراني اليوم يقفز على الحقائق التاريخية الناصعة في السيرة النبوية، وعصر الخلافة الراشدة، ويشوه مقاصدها، ويرى فيها تعالياً على التاريخ (10)، والحقيقة هي أن التاريخ الإسلامي والذي تمثل السيرة النبوية وعصر الخلفاء الراشدين غرة في جبينه يمثل عقبة كؤود في تمرير إيديولوجيات هذا الخطاب الانتقائي في عرض وقائع تاريخ القرون المفضلة وتحليلها يقول خالص جلبي: "إن العالم العربي ما زال يحكم بسيف معاوية بعد انطفاء الوهج الراشدي، والثقافة العربية تستحم بالعنف منذ المصادرة الأموية، وتوديع حياة الرشد، واعتناق حياة الغي، وتفشي روح الغدر والتآمر والقتل؛ فليس بعد الرشد إلا الغي»، ثم يقول: «عندما يقلب معاوية الوضع الراشدي لبناء دولة بيزنطية، ومسح الخلافة الراشدة بالتآمر الأموي؛ كان سيتم الأمر ولا راد لقضاء الله"(11) وهذا من د. جلبي تنظير لفكرته (اللاعنف) والتي طالما حاول فيها أن يطفئ وهج الشهادة في سبيل الله, وينسف مشروعية الجهاد, وتاريخ الفاتحين؛ إلا أنه ومع الثورة السورية المباركة، وتحولها إلى العمل المسلح؛ تبخرت هذه الفكرة الدخيلة, وأتت عليها ثورة الكرامة من قواعدها, فذهب الزبد، ومكث ما ينفع الناس.
ومن أمضى الأسلحة الفكرية في مواجهة المد الحداثي والعصراني العاصف بتراثنا هي تلك المضامين الحقة التي جاءت بها نصوص الوحيين في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومما يتأكد في صياغة الأفكار والمفاهيم حول هؤلاء الثلة المباركة هو نشر فضائلهم على الملأ بكل وسيلة ممكنة وهذا يكسبنا بصيرتين(12):
أحدهما: أن التاريخ الإسلامي يجب قراءته وفق التصور الإسلامي وموازينه الشرعية.
والأخرى: أن من يقرأ التاريخ يلزمه الإحاطة بالظروف والملابسات لأحداثه، فأحداث الواقعة في صدر الإسلام لا يبررها غير الظروف التي وقعت فيها.
ومن أهم ما نبدأ به في سيرة معاوية رضي الله عنه التذكير بفضائله على وجه العموم والخصوص.
أولاً:
1- اشتراك معاوية رضي الله عنه في غزوة حنين: قال تعالى (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26)(التوبة:25،26) قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد شهد معاوية؛ وأخوه يزيد؛ وسهيل بن عمرو؛ والحارث بن هشام وغيرهم من مسلمة الفتح مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة حنين؛ ودخلوا في قوله تعالى: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين)، وكانوا من المؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم مع النبي صلى الله عليه وسلم"(13).
2- معاوية رضي الله عنه من الذين وعدهم الله بالحسنى لقاء جهادهم ونفقتهم: قال سبحانه: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)(الحديد: 10) قال ابن تيمية رحمه الله: "فإن هؤلاء الطلقاء مسلمة الفتح: هم ممن أنفق من بعد الفتح، وقاتل، وقد وعدهم الله الحسنى فإنهم أنفقوا بحنين والطائف، وقاتلوا فيهما رضي الله عنهم"(14).
3- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية رضي الله عنه:
(أ) فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيّاً وَاهْدِ بِهِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وصححه الألباني، وجاء الدعاء له في قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم! علِّم معاوية الكتاب والحساب، وقِِهِ العذاب) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان, وأحمد، قال عنه الألباني رحمه الله: "وهذا إسناد حسن في الشواهد، رجاله ثقات, غير الحارث بن زياد؛ فإنه مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يذكر له راوياً غير يونس هذا، وعليه؛ فقول الحافظ فيه: "لين الحديث " ليس على الجادة، ثم إنه ليس يخفى أن إخراج ابن خزيمة لحديثه في "الصحيح" يعني أنه ثقة عنده، إلا أنه قد عرف بالتساهل في التصحيح والتوثيق - كتلميذه ابن حبان -؛ فلا أقل من أن يصلح للاستشهاد به، وهذا هو الذي مال إليه من قوى هذا الحديث"(15).
(ب) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ، قَالَ فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، وَقَالَ: (اذْهَبْ وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ) قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِيَ: (اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ) قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: (لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ)(16).
أشار الألباني رحمه الله إلى الفهم المنحرف لهذا الحديث من البعض, فقال: "وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث ليتخذوا منه مطعناً في معاوية رضي الله عنه, وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولذلك قال الحافظ ابن عساكر (16/349/2) "إنه أصح ما ورد في فضل معاوية "(17).
ثم عرض العلامة الألباني رحمه الله لأجوبة العلماء كالنووي والذهبي وغيرهما وهي:
1- إما أن يكون هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم غير مقصود، بل هو ما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله صلى الله عليه وسلم في بعض نسائه "عقرى حلقى" و"تربت يمينك".
2- ويمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه عليه السلام في أحاديث كثيرة متواترة(18).
ثم ساق الشيخ الألباني رحمه الله مثالين من الأحاديث المتواترة والتي تكشف عن المعنى الثاني الذي يحمل عليه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم, وفي نظري أنه أسد جواب عن حديث معاوية لأن خير ما تعرف به مقاصد النصوص هي النصوص نفسها.
المثال الأول: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ فَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا، وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَصَابَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئاً مَا أَصَابَهُ هَذَانِ، قَالَ: (وَمَا ذَاكِ) قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا، قَالَ: (أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ؛ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْراً)(19)، وهذا الحديث كما يقرر الألباني رحمه الله رواه مسلم مع الحديث الذي قبله في باب واحد هو "باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً ورحمة".
المثال الثاني: ساق الإمام مسلم في نفس الباب حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَتِيمَةَ فَقَالَ: (آنْتِ هِيَهْ؟ لَقَدْ كَبِرْتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ» فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتِ الْجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي، فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَداً، أَوْ قَالَتْ قَرْنِي فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي قَالَ: «وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا، وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا، قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُوراً وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(20).
قال الشيخ الألباني رحمه الله كاشفاً عن براعة علماء السنة، ودقيق فهمهم لمرامي النصوص ومقاصدها: "ثم أتبع الإمام مسلم هذا الحديث بحديث معاوية "لا أشبع الله بطنه" وبه ختم الباب إشارة منه رحمه الله إلى أنها من باب واحد، وفي معنى واحد، فكما لا يضر اليتيمة دعاؤه صلى الله عليه وسلم عليها بل هو لها زكاة وقربة؛ فكذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم على معاوية"(21).
ثم أشار العلامة الألباني إلى فهم آخر منحرف لهذا الحديث "وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء إلى إنكار مثل هذا الحديث بزعم تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما، وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم انظر "كنز العمال" (2/124)، وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً مشروعاً إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم صحيحاً ثابتاً، وبذلك يجتمع الإيمان به صلى الله عليه وسلم عبداً ورسولاً، دون إفراط ولا تفريط، فهو صلى الله عليه وسلم بشر بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقاً بنص الأحاديث الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر كاكتمالها فيه صلى الله عليه وسلم، وصدق الله العظيم إذ خاطبه بقوله الكريم: (وإنك لعلى خلق عظيم)"(22).
(ج) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً قَرِيباً مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ، فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ وفي رواية: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َقَالَ يَوْماً فِي بَيْتِهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: «أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأَخْضَرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ»، فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِياً أَوَّلَ مَا رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَمَاتَتْ"(23).
فدلالة تبسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا يشعر بأنه كان إعجاباً بهم، وفرحاً لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة (24).
(د) عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الأَسْوَدِ العَنْسِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهُوَ نَازِلٌ فِي سَاحَةِ حِمْصَ وَهُوَ فِي بِنَاءٍ لَهُ، وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ قَالَ: عُمَيْرٌ، فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا»، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ»، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»، فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ»(25)، قال ابن حجر رحمه الله: "في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر, ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر"(26)، وقال ابن تيمية رحمه الله: "وغزاها المسلمون في خلافة معاوية وكان يزيد أميرهم، وكان في العسكر أبو أيوب الأنصاري الذي نزل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته لما قدم المدينة مهاجراً، ومات ودفن تحت سورها"(27).
ثانياً: كتابته للوحي:
عن ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا نَبِيَّ اللهِ ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ، قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا، قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِباً بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: «نَعَمْ»(28) والشاهد: "وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِباً بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ: «نَعَمْ». قال ابن تيمية رحمه الله: "فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمره النبي صلى الله عليه وسلم كما أمر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي، وما اتهمه النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الوحي"(29).
ثالثاً: روايته للحديث:
معاوية رضي الله عنه من الذين نالوا شرف الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم, ومرد ذلك إلى ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة لكونه صهره وكاتبه(30)، وقد روى معاوية رضي الله عنه: "مائة وثلاثة وستين حديثاً" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حكى ذلك ابن حزم رحمه الله، وذكر الذهبي رحمه الله عدد ما ما رواه البخاري ومسلم له فقال: "اتفق له البخاري ومسلم على أربعة أحاديث, وانفرد البخاري بأربعة, ومسلم بخمسة". سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 162).
رابعاً: منزلة معاوية عند الصحابة رضي الله عنهم:
1- الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يولي معاوية: قال ابن تيمية: "وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولم يتهمه في ولايته، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه أبا سفيان إلى أن مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ولايته، فمعاوية خير من أبيه، وأحسن إسلاماً من أبيه باتفاق المسلمين، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ولى أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والأحرى"(31)، وقال ابن العربي: "أن عمر جمع له الشامات كلها، وأفرده بها لما رأى من حسن سيرته.."(32).
2- ابن عباس رضي الله عنه وشهادته له بالفقه في الدين: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ العِشَاءِ بِرَكْعَةٍ، وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ "أي أخبره مولاه بما شاهده" فَقَالَ: «دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(33)، وفي رواية أخرى للبخاري: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: "هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: «أَصَابَ، إِنَّهُ فَقِيهٌ».
خامساً: كلام علماء السلف على منزلة معاوية(34):
1- سئل الإمام عبد الله ابن المبارك عن معاوية رضي الله عنه(35) فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز، وقال ابن المبارك: "قال معاوية: عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم - يعني الصحابة -".
2- وجاء بإسناد صحيح أنه قيل للإمام أحمد: "مَا تَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ فِيمَنْ قَالَ: لَا أَقُولُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَاتَبُ الْوَحْيِ، وَلَا أَقُولُ إِنَّهُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا بِالسَّيْفِ غَصْباً؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا قَوْلُ سَوْءٍ رَدِيءٌ، يُجَانَبُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَلَا يُجَالَسُونَ، وَنُبَيِّنُ أَمْرَهُمْ لِلنَّاسِ"(36)، ونقل ابن كثير عن الإمام أحمد رحمه الله موقفين آخرين(37):
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ إِذَا رَأَيْتَ رَجُلاً يَذْكُرُ أَحَداً مِنَ الصَّحَابَةِ بِسُوءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الْفَضْلُ بن زياد: سمعت أبا عبد الله يسأل عَنْ رَجُلٍ تَنَقَّصَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عَلَيْهِمَا إِلَّا وَلَهُ خَبِيئَةُ سُوءٍ، مَا انْتَقَصَ أحد أحداً من الصحابة إِلَّا وَلَهُ دَاخِلَةُ سُوءٍ.
3- وَقَالَ أَبُو تَوْبَةَ الرَّبيع بْنُ نَافِعٍ الْحَلَبِيُّ: "معاوية ستر لأصحاب محمد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا كَشَفَ الرَّجُلُ السِّتْرَ اجْتَرَأَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ"(38).
4- قال العلامة ابن العربي المالكي في كتابه الرائع (العواصم من القواصم): "معاوية اجتمعت فيه خصال:.. قيامه بحماية البيضة، وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخلق"(39)
الخاتمة:
في ضوء ما تقرر من النصوص الشرعية، وما ردفها من الفهوم السلفية؛ نخلص إلى نتيجة وهي:
أن توقير الصحابة مقصد شرعي حفظته النصوص من جانبين:
الأول: من جانب الوجود بتقرير فضائلهم على وجه العموم والخصوص.
الثاني: من جانب العدم, وذلك بتقرير حرمة سبهم وتنقصهم، وفيه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبَيْنَ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ،     فَسَبَّهُ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا أَحَداً مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»(40).
وهذا الحديث وإن كان سببه خاص إلا أن القاعدة الأصولية المقررة عند عامة العلماء(41) تقول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، قال الرازي رحمه الله: "فالحق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"(42)، وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص الأسباب, فالنصوص العامة الواردة على أسباب خاصة تكون أحكمها عامة، وهذا هو الحق فان قيل: ما الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فالجواب: أن ذلك دل عليه الوحي واللغة أما الوحي فان هذه المسألة سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفتى بذلك, وذلك أن الأنصاري الذي قبَّل الأجنبية، ونزلت فيه: (إن الحسنات يذهبن السيئات) الآية، قال للنبي: أليْ هذا وحدي يا رسول الله, ومعنى ذلك: هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بأن العبرة بعموم لفظ: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، لا بخصوص السبب حيث قال له: (بل لأمتي كلهم)، وهو نص نبوي في محل النزاع.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما أيقظ علياً وأمره وفاطمة بالصلاة من الليل, وقال له علي رضي الله عنه: إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا، ولي صلى الله عليه وسلم يضرب فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً, فجعل علياً داخلاً فيها مع أن سبب نزولها الكفار الذين يجالدون في القرآن، وخطابه صلى الله عليه وسلم لواحد كخطابه للجميع كما تقدم ما لم يقم دليل على الخصوص.
وأما اللغة فإن الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه لا يختص الطلاق بالطالبة التي هي السبب.
وجمهور أهل الأصول على أن صورة السبب قطعية الدخول في العام، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص وهو التحقيق"(43) قال ابن تيمية رحمه الله محرراً لمصطلح الصحبة: "ولما كان لفظ الصحبة فيه عموم وخصوص: كان من اختص من الصحابة بما يتميز به عن غيره يوصف بتلك الصحبة دون من لم يشركه"(44)، ثم قال رحمه الله: "والمقصود أن أولئك الذين صحبوه قبل الفتح اختصوا من الصحبة بما استحقوا به التفضيل على من بعدهم، حتى «قال لخالد: لا تسبوا أصحابي» فإنهم صحبوه قبل أن يصحبه خالد وأمثاله.
ولما كان لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - من مزية الصحبة ما تميز به على جميع الصحابة خصه بذلك في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي الدرداء أنه «كان بين أبي بكر وعمر كلام، فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له فامتنع عمر، وجاء أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ما جرى؛ ثم إن عمر ندم فخرج يطلب أبا بكر في بيته، فذكر له أنه كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما جاء عمر أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - يغضب لأبي بكر؛ وقال: أيها الناس إني جئت إليكم فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» فما أوذي بعدها، فهنا خصه باسم الصحبة.."(45).
ثم هاهنا وقفتان لذي العقول:
الأولى: فمن أراد أن يخرج معاوية رضي الله عنه من عموم النصوص الواردة في الصحبة وفضلها, والنصوص المحرمة لسب أهلها؛ فعليه أن يخرج عمر وعثمان وعلي وغيرهم من كبار الصحابة من فضل الصحبة بدلالة حديث "فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟" ويقصر مفهوم الصحبة على الصديق, وهذا لا يقول به من يفهم مدلول الصحبة، وما فيها من عموم وخصوص.
الثانية: هل من وقع في عرض معاوية رضي الله عنه سلم من الوقوع في عرض غيره من الصحابة؟ تأمل كلام ابن تيمية رحمه الله فيمن يتهم معاوية بالردة: "ولم يكن من أهل الردة قط، ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة، فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة هم الذين ينسبون أبا بكر وعمر وعثمان وعامة أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى ما لا يليق بهم"(46).. والله أعلم وأحكم.
الهوامش:
(1) صحيح مسلم (4/ 1962).
(2) انظر: عصر الخلافة الراشدة, د.أكرم ضياء العمري ص8.
(3) تاريخ التراث العربي, سزكين, 1/409 نقلاً عن مصادر السيرة النبوية بين المحدثين والمؤرخين, د. ياسر بن أحمد نور ص99.
(4) انظر: المصدر السابق.
(5) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي 2/195.
(6) انظر المصدر السابق.
(7) اقتضاء الصراط المستقيم, لابن تيمية (1/543).
(8) اقتضاء الصراط المستقيم, لابن تيمية (2/157).
(9) المقدمة لابن خلدون ص35, وتحقيق مواقف الصحابة في الفتنة,د. محمد أمحزون (1/45).
(10) انظر: الفكر الإسلامي, محمد أركون ص97-99.
(11) جريدة الرياض، عدد (10440) في 14/9/1417هـ, وانظر: مجلة البيان (195/96).
(12) انظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة, د.محمد أمحزون, 1/27-31.
(13) مجموع الفتاوى, لابن تيمية (4/458).
(14) مجموع الفتاوى (4/459).
(15) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها, للشيخ الألباني (7/688).
(16) صحيح مسلم (4/2010).
(17) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/165).
(18) انظر المصدر السابق.
(19) صحيح مسلم (4/2007).
(20) صحيح مسلم (4/2009).
(21) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/165).
(22) المصدر السابق.
(23) صحيح البخاري (4/18).
(24) انظر: فتح الباري لابن حجر (11/73).
(25) صحيح البخاري (4/42).
(26) فتح الباري لابن حجر (6/102).
(27) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (6/118).
(28) صحيح مسلم (4/1945).
(29) مجموع الفتاوى (4/472).
(30) انظر: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري د. خالد الغيث ص33.
(31) مجموع الفتاوى (4/472).
(32) العواصم من القواصم لابن العربي ص202.
(33) صحيح البخاري (5/28).
(34) بعض الباحثين يجعل عنواناً بـ"ثناء العلماء على معاوية" وهذا في نظري لا يليق بمكانة الصحابة رضي الله عنهم, إذ كيف نستدل بكلام من هم دونهم - منزلة وفضلاً - بالثناء عليهم.
(35) انظر: البداية والنهاية, لابن كثير (8/148).
(36) السنة لأبي بكر بن الخلال (2/434).
(37) انظر: البداية والنهاية (8/148).
(38) البداية والنهاية (8/148).
(39) العواصم من القواصم لابن العربي ص202.
(40) صحيح مسلم (4/1967).
(41) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/158).
(42) المحصول للرازي (3/125).
(43) مذكرة في أصول الفقه للعلامة محمد الأمين الشنقيطي ص 250-252، ونص رحمه الله على أن: "التحقيق عن مالك أنه يوافق الجمهور في هذه المسألة".
(44) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/447).
(45) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/448).
(46) مجموع الفتاوى (4/472).
** المصدر: التأصيل للبحوث.

هنا