الاثنين، 17 مارس 2014

كيف نقرأ سيرة معاوية رضي الله عنه؟ سعد مقبل العنزي



سعد مقبل العنزي *
الوصف: https://blogger.googleusercontent.com/img/proxy/AVvXsEj1cj0TgFhO2yNop9MJxO7nTFdB5du8rdSgHDE3ADB_ABYqsvXLjWf3V6-2HAe2PY6JX3cgjYghoFLjoT2lVOBqnDNIPbY86h-cnQxsJVe1zW3HawH7NDnFDbxK3aXkL-GrNHh8IGIdgSb7QiFXSwdPTF_QVFPfyzeP3zLh-18=
خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وعن أبيه هي امتداد لعصر النبوة، وعصر الخلافة الراشدة لقوله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي القرن الذين يلوني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.."(1)، فلماذا يأتي الهجوم الآن على معاوية رضي الله عنه، ثم لماذا السكوت من تيارات فكرية لها حضورها في الساحة الثقافية اليوم؟.
لا يجب أن نفهم هذا إلا أنه اتساق فكري - عصراني وليبرالي - مع لغة النار الباطنية المجوسية على ثرى الشام، والتي لا تزال تزهق الأرواح، وتستأصل المبادئ، وتنتهك القيم على مرأى ومسمع من العالم.
مما لا يخفى أن من معالم منهج أهل السنة أنهم ينظرون إلى عصر الخلافة الراشدة باعتباره أميز العصور في تاريخهم بعد عصر النبوة، حيث تولى الحكم كبار الصحابة المقربين من النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد لهم بالسابقة والفضل والبشارة بالجنة، تعاونهم أعداد من الصحابة     الذين نزل القرآن بتعديلهم، وهم الذين مثلوا النخبة القيادية في الفكر والسياسة، والإدارة والاقتصاد والفتوح(2).
وعند القراءة لتاريخ هذا العصر يتعين علينا مراعاة البعد المقاصدي في النظر لصحة الأخبار وتحليلها, فغياب مثل هذا الجانب يوقع في أمرين خطيرين:
الأول: إهمال هدي الجيل الأول وإدراكهم لمقاصد الشريعة في التعامل مع السيرة النبوية بشكل خاص والتاريخ الإسلامي بشكل عام, وهو ما أقر به أحد الباحثين بقوله: "أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أصحاب وعي تاريخي"(3)، وهذا الوعي المقاصدي بالتاريخ له شاهدان(4):
1- تعامل الصحابة رضوان الله عليهم مع السيرة النبوية ككيان معرفي مستقل وقائم بذاته فعن علي بن الحسين قال: "كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه كما نعلم السورة من القرآن"(5).
2- توظيف الصحابة رضوان الله عليهم هذا الكيان المعرفي وجدانياً في تربية النشء فعن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: "كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعدها علينا، وسراياه، ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها"(6).
ويكشف ابن تيمية رحمه الله عن مآلات الإعراض عن السيرة النبوية بقوله: "ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم؛ لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم؛ لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام.."(7).
ففي استنطاق سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه تنكشف مقاصد شرعية للباحث والدارس يقول ابن تيمية: "من أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه الله ورسوله؛ فلينظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه"(8).
الثاني: تجاهل أثر الذهول عن المقاصد في نقل الأخبار وتفسيرها, والذي يعد من أسباب الوضع والكذب كما قرر ذلك ابن خلدون في مقدمته(9).
والخطاب الحداثي والعصراني اليوم يقفز على الحقائق التاريخية الناصعة في السيرة النبوية، وعصر الخلافة الراشدة، ويشوه مقاصدها، ويرى فيها تعالياً على التاريخ (10)، والحقيقة هي أن التاريخ الإسلامي والذي تمثل السيرة النبوية وعصر الخلفاء الراشدين غرة في جبينه يمثل عقبة كؤود في تمرير إيديولوجيات هذا الخطاب الانتقائي في عرض وقائع تاريخ القرون المفضلة وتحليلها يقول خالص جلبي: "إن العالم العربي ما زال يحكم بسيف معاوية بعد انطفاء الوهج الراشدي، والثقافة العربية تستحم بالعنف منذ المصادرة الأموية، وتوديع حياة الرشد، واعتناق حياة الغي، وتفشي روح الغدر والتآمر والقتل؛ فليس بعد الرشد إلا الغي»، ثم يقول: «عندما يقلب معاوية الوضع الراشدي لبناء دولة بيزنطية، ومسح الخلافة الراشدة بالتآمر الأموي؛ كان سيتم الأمر ولا راد لقضاء الله"(11) وهذا من د. جلبي تنظير لفكرته (اللاعنف) والتي طالما حاول فيها أن يطفئ وهج الشهادة في سبيل الله, وينسف مشروعية الجهاد, وتاريخ الفاتحين؛ إلا أنه ومع الثورة السورية المباركة، وتحولها إلى العمل المسلح؛ تبخرت هذه الفكرة الدخيلة, وأتت عليها ثورة الكرامة من قواعدها, فذهب الزبد، ومكث ما ينفع الناس.
ومن أمضى الأسلحة الفكرية في مواجهة المد الحداثي والعصراني العاصف بتراثنا هي تلك المضامين الحقة التي جاءت بها نصوص الوحيين في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومما يتأكد في صياغة الأفكار والمفاهيم حول هؤلاء الثلة المباركة هو نشر فضائلهم على الملأ بكل وسيلة ممكنة وهذا يكسبنا بصيرتين(12):
أحدهما: أن التاريخ الإسلامي يجب قراءته وفق التصور الإسلامي وموازينه الشرعية.
والأخرى: أن من يقرأ التاريخ يلزمه الإحاطة بالظروف والملابسات لأحداثه، فأحداث الواقعة في صدر الإسلام لا يبررها غير الظروف التي وقعت فيها.
ومن أهم ما نبدأ به في سيرة معاوية رضي الله عنه التذكير بفضائله على وجه العموم والخصوص.
أولاً:
1- اشتراك معاوية رضي الله عنه في غزوة حنين: قال تعالى (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26)(التوبة:25،26) قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد شهد معاوية؛ وأخوه يزيد؛ وسهيل بن عمرو؛ والحارث بن هشام وغيرهم من مسلمة الفتح مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة حنين؛ ودخلوا في قوله تعالى: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين)، وكانوا من المؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم مع النبي صلى الله عليه وسلم"(13).
2- معاوية رضي الله عنه من الذين وعدهم الله بالحسنى لقاء جهادهم ونفقتهم: قال سبحانه: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)(الحديد: 10) قال ابن تيمية رحمه الله: "فإن هؤلاء الطلقاء مسلمة الفتح: هم ممن أنفق من بعد الفتح، وقاتل، وقد وعدهم الله الحسنى فإنهم أنفقوا بحنين والطائف، وقاتلوا فيهما رضي الله عنهم"(14).
3- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية رضي الله عنه:
(أ) فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيّاً وَاهْدِ بِهِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وصححه الألباني، وجاء الدعاء له في قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم! علِّم معاوية الكتاب والحساب، وقِِهِ العذاب) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان, وأحمد، قال عنه الألباني رحمه الله: "وهذا إسناد حسن في الشواهد، رجاله ثقات, غير الحارث بن زياد؛ فإنه مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يذكر له راوياً غير يونس هذا، وعليه؛ فقول الحافظ فيه: "لين الحديث " ليس على الجادة، ثم إنه ليس يخفى أن إخراج ابن خزيمة لحديثه في "الصحيح" يعني أنه ثقة عنده، إلا أنه قد عرف بالتساهل في التصحيح والتوثيق - كتلميذه ابن حبان -؛ فلا أقل من أن يصلح للاستشهاد به، وهذا هو الذي مال إليه من قوى هذا الحديث"(15).
(ب) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ، قَالَ فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، وَقَالَ: (اذْهَبْ وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ) قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِيَ: (اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ) قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: (لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ)(16).
أشار الألباني رحمه الله إلى الفهم المنحرف لهذا الحديث من البعض, فقال: "وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث ليتخذوا منه مطعناً في معاوية رضي الله عنه, وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولذلك قال الحافظ ابن عساكر (16/349/2) "إنه أصح ما ورد في فضل معاوية "(17).
ثم عرض العلامة الألباني رحمه الله لأجوبة العلماء كالنووي والذهبي وغيرهما وهي:
1- إما أن يكون هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم غير مقصود، بل هو ما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله صلى الله عليه وسلم في بعض نسائه "عقرى حلقى" و"تربت يمينك".
2- ويمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه عليه السلام في أحاديث كثيرة متواترة(18).
ثم ساق الشيخ الألباني رحمه الله مثالين من الأحاديث المتواترة والتي تكشف عن المعنى الثاني الذي يحمل عليه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم, وفي نظري أنه أسد جواب عن حديث معاوية لأن خير ما تعرف به مقاصد النصوص هي النصوص نفسها.
المثال الأول: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ فَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا، وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَصَابَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئاً مَا أَصَابَهُ هَذَانِ، قَالَ: (وَمَا ذَاكِ) قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا، قَالَ: (أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ؛ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْراً)(19)، وهذا الحديث كما يقرر الألباني رحمه الله رواه مسلم مع الحديث الذي قبله في باب واحد هو "باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً ورحمة".
المثال الثاني: ساق الإمام مسلم في نفس الباب حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَتِيمَةَ فَقَالَ: (آنْتِ هِيَهْ؟ لَقَدْ كَبِرْتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ» فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتِ الْجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي، فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَداً، أَوْ قَالَتْ قَرْنِي فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي قَالَ: «وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا، وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا، قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُوراً وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(20).
قال الشيخ الألباني رحمه الله كاشفاً عن براعة علماء السنة، ودقيق فهمهم لمرامي النصوص ومقاصدها: "ثم أتبع الإمام مسلم هذا الحديث بحديث معاوية "لا أشبع الله بطنه" وبه ختم الباب إشارة منه رحمه الله إلى أنها من باب واحد، وفي معنى واحد، فكما لا يضر اليتيمة دعاؤه صلى الله عليه وسلم عليها بل هو لها زكاة وقربة؛ فكذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم على معاوية"(21).
ثم أشار العلامة الألباني إلى فهم آخر منحرف لهذا الحديث "وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء إلى إنكار مثل هذا الحديث بزعم تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما، وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم انظر "كنز العمال" (2/124)، وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً مشروعاً إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم صحيحاً ثابتاً، وبذلك يجتمع الإيمان به صلى الله عليه وسلم عبداً ورسولاً، دون إفراط ولا تفريط، فهو صلى الله عليه وسلم بشر بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقاً بنص الأحاديث الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته صلى الله عليه وسلم وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر كاكتمالها فيه صلى الله عليه وسلم، وصدق الله العظيم إذ خاطبه بقوله الكريم: (وإنك لعلى خلق عظيم)"(22).
(ج) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً قَرِيباً مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ، فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ وفي رواية: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َقَالَ يَوْماً فِي بَيْتِهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: «أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأَخْضَرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ»، فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِياً أَوَّلَ مَا رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَمَاتَتْ"(23).
فدلالة تبسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا يشعر بأنه كان إعجاباً بهم، وفرحاً لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة (24).
(د) عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الأَسْوَدِ العَنْسِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهُوَ نَازِلٌ فِي سَاحَةِ حِمْصَ وَهُوَ فِي بِنَاءٍ لَهُ، وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ قَالَ: عُمَيْرٌ، فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا»، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ»، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»، فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ»(25)، قال ابن حجر رحمه الله: "في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر, ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر"(26)، وقال ابن تيمية رحمه الله: "وغزاها المسلمون في خلافة معاوية وكان يزيد أميرهم، وكان في العسكر أبو أيوب الأنصاري الذي نزل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته لما قدم المدينة مهاجراً، ومات ودفن تحت سورها"(27).
ثانياً: كتابته للوحي:
عن ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا نَبِيَّ اللهِ ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ، قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا، قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِباً بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: «نَعَمْ»(28) والشاهد: "وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِباً بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ: «نَعَمْ». قال ابن تيمية رحمه الله: "فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمره النبي صلى الله عليه وسلم كما أمر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده يكتب له الوحي، وما اتهمه النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الوحي"(29).
ثالثاً: روايته للحديث:
معاوية رضي الله عنه من الذين نالوا شرف الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم, ومرد ذلك إلى ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة لكونه صهره وكاتبه(30)، وقد روى معاوية رضي الله عنه: "مائة وثلاثة وستين حديثاً" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حكى ذلك ابن حزم رحمه الله، وذكر الذهبي رحمه الله عدد ما ما رواه البخاري ومسلم له فقال: "اتفق له البخاري ومسلم على أربعة أحاديث, وانفرد البخاري بأربعة, ومسلم بخمسة". سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 162).
رابعاً: منزلة معاوية عند الصحابة رضي الله عنهم:
1- الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يولي معاوية: قال ابن تيمية: "وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولم يتهمه في ولايته، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه أبا سفيان إلى أن مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ولايته، فمعاوية خير من أبيه، وأحسن إسلاماً من أبيه باتفاق المسلمين، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ولى أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والأحرى"(31)، وقال ابن العربي: "أن عمر جمع له الشامات كلها، وأفرده بها لما رأى من حسن سيرته.."(32).
2- ابن عباس رضي الله عنه وشهادته له بالفقه في الدين: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ العِشَاءِ بِرَكْعَةٍ، وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ "أي أخبره مولاه بما شاهده" فَقَالَ: «دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(33)، وفي رواية أخرى للبخاري: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: "هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: «أَصَابَ، إِنَّهُ فَقِيهٌ».
خامساً: كلام علماء السلف على منزلة معاوية(34):
1- سئل الإمام عبد الله ابن المبارك عن معاوية رضي الله عنه(35) فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز، وقال ابن المبارك: "قال معاوية: عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم - يعني الصحابة -".
2- وجاء بإسناد صحيح أنه قيل للإمام أحمد: "مَا تَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ فِيمَنْ قَالَ: لَا أَقُولُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَاتَبُ الْوَحْيِ، وَلَا أَقُولُ إِنَّهُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا بِالسَّيْفِ غَصْباً؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا قَوْلُ سَوْءٍ رَدِيءٌ، يُجَانَبُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَلَا يُجَالَسُونَ، وَنُبَيِّنُ أَمْرَهُمْ لِلنَّاسِ"(36)، ونقل ابن كثير عن الإمام أحمد رحمه الله موقفين آخرين(37):
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ إِذَا رَأَيْتَ رَجُلاً يَذْكُرُ أَحَداً مِنَ الصَّحَابَةِ بِسُوءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الْفَضْلُ بن زياد: سمعت أبا عبد الله يسأل عَنْ رَجُلٍ تَنَقَّصَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عَلَيْهِمَا إِلَّا وَلَهُ خَبِيئَةُ سُوءٍ، مَا انْتَقَصَ أحد أحداً من الصحابة إِلَّا وَلَهُ دَاخِلَةُ سُوءٍ.
3- وَقَالَ أَبُو تَوْبَةَ الرَّبيع بْنُ نَافِعٍ الْحَلَبِيُّ: "معاوية ستر لأصحاب محمد صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا كَشَفَ الرَّجُلُ السِّتْرَ اجْتَرَأَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ"(38).
4- قال العلامة ابن العربي المالكي في كتابه الرائع (العواصم من القواصم): "معاوية اجتمعت فيه خصال:.. قيامه بحماية البيضة، وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخلق"(39)
الخاتمة:
في ضوء ما تقرر من النصوص الشرعية، وما ردفها من الفهوم السلفية؛ نخلص إلى نتيجة وهي:
أن توقير الصحابة مقصد شرعي حفظته النصوص من جانبين:
الأول: من جانب الوجود بتقرير فضائلهم على وجه العموم والخصوص.
الثاني: من جانب العدم, وذلك بتقرير حرمة سبهم وتنقصهم، وفيه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبَيْنَ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ،     فَسَبَّهُ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا أَحَداً مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»(40).
وهذا الحديث وإن كان سببه خاص إلا أن القاعدة الأصولية المقررة عند عامة العلماء(41) تقول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، قال الرازي رحمه الله: "فالحق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"(42)، وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص الأسباب, فالنصوص العامة الواردة على أسباب خاصة تكون أحكمها عامة، وهذا هو الحق فان قيل: ما الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فالجواب: أن ذلك دل عليه الوحي واللغة أما الوحي فان هذه المسألة سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفتى بذلك, وذلك أن الأنصاري الذي قبَّل الأجنبية، ونزلت فيه: (إن الحسنات يذهبن السيئات) الآية، قال للنبي: أليْ هذا وحدي يا رسول الله, ومعنى ذلك: هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بأن العبرة بعموم لفظ: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، لا بخصوص السبب حيث قال له: (بل لأمتي كلهم)، وهو نص نبوي في محل النزاع.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما أيقظ علياً وأمره وفاطمة بالصلاة من الليل, وقال له علي رضي الله عنه: إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا، ولي صلى الله عليه وسلم يضرب فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً, فجعل علياً داخلاً فيها مع أن سبب نزولها الكفار الذين يجالدون في القرآن، وخطابه صلى الله عليه وسلم لواحد كخطابه للجميع كما تقدم ما لم يقم دليل على الخصوص.
وأما اللغة فإن الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه لا يختص الطلاق بالطالبة التي هي السبب.
وجمهور أهل الأصول على أن صورة السبب قطعية الدخول في العام، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص وهو التحقيق"(43) قال ابن تيمية رحمه الله محرراً لمصطلح الصحبة: "ولما كان لفظ الصحبة فيه عموم وخصوص: كان من اختص من الصحابة بما يتميز به عن غيره يوصف بتلك الصحبة دون من لم يشركه"(44)، ثم قال رحمه الله: "والمقصود أن أولئك الذين صحبوه قبل الفتح اختصوا من الصحبة بما استحقوا به التفضيل على من بعدهم، حتى «قال لخالد: لا تسبوا أصحابي» فإنهم صحبوه قبل أن يصحبه خالد وأمثاله.
ولما كان لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - من مزية الصحبة ما تميز به على جميع الصحابة خصه بذلك في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي الدرداء أنه «كان بين أبي بكر وعمر كلام، فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له فامتنع عمر، وجاء أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ما جرى؛ ثم إن عمر ندم فخرج يطلب أبا بكر في بيته، فذكر له أنه كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما جاء عمر أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - يغضب لأبي بكر؛ وقال: أيها الناس إني جئت إليكم فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» فما أوذي بعدها، فهنا خصه باسم الصحبة.."(45).
ثم هاهنا وقفتان لذي العقول:
الأولى: فمن أراد أن يخرج معاوية رضي الله عنه من عموم النصوص الواردة في الصحبة وفضلها, والنصوص المحرمة لسب أهلها؛ فعليه أن يخرج عمر وعثمان وعلي وغيرهم من كبار الصحابة من فضل الصحبة بدلالة حديث "فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟" ويقصر مفهوم الصحبة على الصديق, وهذا لا يقول به من يفهم مدلول الصحبة، وما فيها من عموم وخصوص.
الثانية: هل من وقع في عرض معاوية رضي الله عنه سلم من الوقوع في عرض غيره من الصحابة؟ تأمل كلام ابن تيمية رحمه الله فيمن يتهم معاوية بالردة: "ولم يكن من أهل الردة قط، ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة، فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة هم الذين ينسبون أبا بكر وعمر وعثمان وعامة أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى ما لا يليق بهم"(46).. والله أعلم وأحكم.
الهوامش:
(1) صحيح مسلم (4/ 1962).
(2) انظر: عصر الخلافة الراشدة, د.أكرم ضياء العمري ص8.
(3) تاريخ التراث العربي, سزكين, 1/409 نقلاً عن مصادر السيرة النبوية بين المحدثين والمؤرخين, د. ياسر بن أحمد نور ص99.
(4) انظر: المصدر السابق.
(5) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي 2/195.
(6) انظر المصدر السابق.
(7) اقتضاء الصراط المستقيم, لابن تيمية (1/543).
(8) اقتضاء الصراط المستقيم, لابن تيمية (2/157).
(9) المقدمة لابن خلدون ص35, وتحقيق مواقف الصحابة في الفتنة,د. محمد أمحزون (1/45).
(10) انظر: الفكر الإسلامي, محمد أركون ص97-99.
(11) جريدة الرياض، عدد (10440) في 14/9/1417هـ, وانظر: مجلة البيان (195/96).
(12) انظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة, د.محمد أمحزون, 1/27-31.
(13) مجموع الفتاوى, لابن تيمية (4/458).
(14) مجموع الفتاوى (4/459).
(15) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها, للشيخ الألباني (7/688).
(16) صحيح مسلم (4/2010).
(17) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/165).
(18) انظر المصدر السابق.
(19) صحيح مسلم (4/2007).
(20) صحيح مسلم (4/2009).
(21) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/165).
(22) المصدر السابق.
(23) صحيح البخاري (4/18).
(24) انظر: فتح الباري لابن حجر (11/73).
(25) صحيح البخاري (4/42).
(26) فتح الباري لابن حجر (6/102).
(27) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (6/118).
(28) صحيح مسلم (4/1945).
(29) مجموع الفتاوى (4/472).
(30) انظر: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري د. خالد الغيث ص33.
(31) مجموع الفتاوى (4/472).
(32) العواصم من القواصم لابن العربي ص202.
(33) صحيح البخاري (5/28).
(34) بعض الباحثين يجعل عنواناً بـ"ثناء العلماء على معاوية" وهذا في نظري لا يليق بمكانة الصحابة رضي الله عنهم, إذ كيف نستدل بكلام من هم دونهم - منزلة وفضلاً - بالثناء عليهم.
(35) انظر: البداية والنهاية, لابن كثير (8/148).
(36) السنة لأبي بكر بن الخلال (2/434).
(37) انظر: البداية والنهاية (8/148).
(38) البداية والنهاية (8/148).
(39) العواصم من القواصم لابن العربي ص202.
(40) صحيح مسلم (4/1967).
(41) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/158).
(42) المحصول للرازي (3/125).
(43) مذكرة في أصول الفقه للعلامة محمد الأمين الشنقيطي ص 250-252، ونص رحمه الله على أن: "التحقيق عن مالك أنه يوافق الجمهور في هذه المسألة".
(44) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/447).
(45) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/448).
(46) مجموع الفتاوى (4/472).
** المصدر: التأصيل للبحوث.

هنا



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق